ـ الثاني: أنّه ما علم أن سيكون فإنما يقع على قدره ومشيئته.
فأمّا الأولى, فنقول: قد ثبت بالدلائل اليقينية وجوب اتصاف الحق تعالى بالعلم المتعلّق بجميع المعلومات؛ ووجوب قدمه, لاستحالة قيام الحوادث بذاته؛ ووجوب بقائه لاستحالة عدم القديم.
فإذا تقرر هذا فيستحيل أن يتحقق حقيقة ولم (1) يتعلق بها علمه؛ لأن تعلقه بما يتعلق به هو حقيقة, فلو قدّرت معلوما واحدا لم يتعلق به (2) علمه للزم منه إبطال حقيقة علمه؛ لأنه عام في تعلّقه فالمعلوم بالعلم تختلف أحواله, والعلم يكشفه في جميع أحواله, فتارة يكون عدما, وتارة يكون وجودا, وتارة يستمر وجوده, وتارة ينقطع.
فإذا كان المعلوم عدما يسمّى نفيا (3) ؛ وإذا كان وجودا يسمّى ذاتا وحادثا. فإذا استمرّ وجوده سمّي باقيا. والعلم يتعلق به في جميع أحواله, ولا يلزم من اختلافها اختلاف في العلم ولا تجدد. والذي يقرّب الذهن في ذلك أنّا لو فرضنا قيام العلم ـ مثلا ـ بزيد أنّ عمْرًا يموت عند غروب الشمس, وقدّرنا استمرار ذلك حتى غربت الشمس (4) , فمات عمرو, لقطعنا أنه لم (5) يحدث في زيد حادث, ولم يتجدد عليه أمر؛ لأن علمه كشف له حالتين من أحوال عمرو, حالة هو فيها حي وحالة هو فيها ميت, وكلّ حالة مختصة (6) بوقتها, فتعلق العلم بوجوده حيّا قبل الغروب وبأن موته منتف معدوم, وتعلق علمه بأن سيوجد موته عند الغروب وتنتفي حياته, فإذا وجد موته عند الغروب وانتفت حياته فقد وقع الشيء على وفق العلم, ولم يحدث للعالم بذلك أمر لم يكن فيه, فالاختلاف معقول متصوّر في المعلوم, وهو منتف في العلم. والأمثلة تقريب للأفهام وتشحيذ (7) للأذهان.
(1) في ب (حقيقة لم) .
(2) سقط من ب (هو حقيقة ... به) .
(3) في ب (يسمى بقيامه) .
(4) سقط من ب (وقدرنا ... الشمس) .
(5) سقط من ب (لم) .
(6) في ب (محتمة) .
(7) في أ (تشريح) .