وقوله: (ويخرج منها بشفاعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من شفع له من أهل الكبائر من أمّته)
قال عليه السلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» [1] وقد تظافرت الأحاديث بالشفاعة التي بلغت بمجموعها التواتر. وأجمع [على] ذلك سلف الأيمة, وأنكرها المعتزلة بناء منهم على ما تقدم من الوجوب العقلي. وقال بعض أئمتنا: وحقيق لمن أنكرها ألا ينالها. وتمسّكوا بظاهر قوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر:48] وبقوله تعالى: (فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم) . [الشعراء (101) ]
قيل لهم: هذا المراد به الكافرون, ولهذا قال تعالى: (ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى) [الأنبياء:28] فأثبت الشفاعة لمن ارتضاه ونفاها عن غير المرتضى, فالكافرون لا تنفعهم الشفاعة, وبهذا المعنى يحصل [الجمع بين] الآي والأحاديث وينتفي التنافر. وضابط هذا كله ما تقدم من أنّ هذا جائز عقلا, ثابت وقوعه شرعا. على هذا درج السلف ومن تبعهم من الخلف.
قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: «والشفاعة على ستة أقسام:
ـ الأول: الشفاعة الأولى لأهل الموقف, وهي خاصّة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم, في البخاري ومسلم: «يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة» الحديث, وفيه التجاؤهم إليه عليه السلام بعد تطوّفهم على جماعة من أنبياء الله الكرام, فكلّهم يصرفها عن نفسه ويقول: لست لها, فإذا انتهت إليه قال: «أنا لها» [2] وذلك هو المقام المحمود الذي وعده به ربّه, يغبطه فيه الأولون والآخرون, فيشفع لهم في تعجيل الحساب.
ـ الثانية: الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب. وهذه أيضا خاصة به صلّى الله عليه وسلم.
(1) ... المعتزلة: ـ ويسموّن أيضا أهل العدل والتوحيد, ويلقبون بالقدرية ـ هم طائفة من الطوائف الدينية التي نشأت بالبصرة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري, على يد واصل بن عطاء, وقيل غير ذلك. وقد افترقت إلى عشرين فرقة, كلّ فرقة تكفّر الأخرى. وهي التي تقول بخلق القرآن, وأن الله تعالى لا يرى يوم القيامة, وأنّ المؤمن إذا ارتكب الكبيرة كان في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر, وغير ذلك من الأقوال التي خالفوا فيها أهل السنة. (انظر: الفرق بين الفرق:32, 112 ـ 210)
(2) أخرجه البخاري في الأنبياء, باب قول الله تعالى (إنا أرسلنا نوحا) ؛ ومسلم في الإيمان, باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.