وقال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرّا يره*) [الزلزلة:7 - 8] أي يرى جزاء [4] عمله والجزاء له داران إمّا الجنّة أو النار. فإذا عوقب هذا المؤمن على شرّ عمله بقي له ثواب خير عمله؛ فلو لم يقل بإخراجه لأدّى ذلك إلى أنّه لا يثاب, وهذا خلاف الآية. ولا نقول: إنه يثاب بالجنة ثم يخرج منها فيدخل النار, لأنّه تعالى قال: (وما هم منها بمخرجين) [الحجر:48] ولا يعارض هذا قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها أبدا) [الجن:23] فإنّه محمول على معصية الكفر جمعا بين الآي وإعمالا لجميعها. ولو حملناه على غير معصية الكفر وقلنا بعدم خروجه لأدّى ذلك إلى إهمال قوله تعالى: (خيرا يره) ولا سبيل إلى ذلك, ولبطل أيضا معنى قوله: «أخرجوا من في قلبه» إلى غير ذلك. ولا خلاف بين السلف الصالح ومن تبعهم من الخلف في ذلك كلّه. وقالت المعتزلة [1] : من دخل النار فلا يخرج منها, بناء على التحسين العقلي والتقبيح. وقد تبيّن أنّ العقل لا يحسّن شيئا و لا يقبّحه, ولا يجب على الله تعالى شيء, فهو يفعل ما يشاء, فمن شاء أن يغفر له من عصاة الموحدين من قبل العقوبة عفا عنه وأدخله حضرة قدسه, ومن شاء أن يعاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله الجنة فضلا منه ومنة. وأمّا الكافرون فلا يغفر لهم؛ لأنّه حكم بذلك, ولو شاء لغفر لهم فأدخلهم الجنة, فهو تعالى يفعل ما يريد, فلا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه, لكنّه أخبر أنّه لم يشأ ذلك للكافرين, وشاء ذلك للعصاة الموحّدين؛ فوجب التصديق والوقوف عند خبره.
(2) أخرجه الترمذي في صفة يوم القيامة, باب ما جاء في الشفاعة. وأبو داود في السنة, باب في الشفاعة. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.