فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 137

قلت: ليس الأمر كذلك, فإنّ الجبر [1] حقيقة خلق المقدور في محل العبد من غير خلق قدرته [2] عليه؛ والكسب خلق القدرة والمقدور معا. وبالضرورة نجد الفرق بين حركة المرتعش وغير المرتعش؛ فهو منزلة بين منزلتين, وهو معنى: (إيّاك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة:5] . وسئل الحسن [3] فقيل له: أجبر الله عباده؟ فقال: الله أعدل من ذلك؛ فقيل له: فهل فوّض إليهم؟ فقال: الله أعزّ من ذلك؛ ولو جبرهم لما عذّبهم, ولو فوّض إليهم لما كان للأمر معنى, ولكنّها منزلة بين منزلتين أبعد ما بين السماء والأرض, ولله سبحانه فيه سرّ لا تعلمونه. وقد صرّح القرآن العظيم بحقيقة هذه المنزلة, فقال تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى) [الأنفال:17] فقوله: (وما رميت) نفي للخلق والإيجاد, وقوله: (إذ رميت) إثبات للكسب والاستطاعة, (ولكنّ الله رمى) إثبات الخلق والاختراع له سبحانه وتعالى.

فإن قلت: هذا كلّه يؤول إلى تكليف ما لا يطاق؟

قلت: قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: تكليف ما لا يطاق له صور أربع؛ فيقال «ما لا يطاق» لما استحال وجوده في نفسه, كفرض اجتماع الضدّين؛ ويقال لما هو ممكن في نفسه, إلاّ أنه ليس من جنس مقدور البشر كالألوان والجسوم [4] ؛ ويقال لما هو من جنس مقدورهم إلاّ أنّهم لم تخلق لهم القدرة عليه كالمشي على الماء والطيران في الهواء؛ ويقال لما جرت العادة [5]

(1) في ب (ليس الأمر في الجبر) .

(2) في ب (قدرة) .

(3) أبو سعيد الحسن بن يسار البصري, مولى زيد بن ثابت الأنصاري, وشبّ في كنف علي بن أبي طالب, من علماء التابعين بالقرآن والفقه والأدب, ومن عباد البصرة وزهادها. توفي سنة:110 هـ (الأعلام:2/ 226) .

(4) في ب (والجشوم) .

(5) سقط من أ (العادة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت