بخلق القدرة عليه إلاّ أنّه حالة الأمر لا قدرة له [1] عليه كالأمر بالصلاة وسائر أفعال العباد. فهذه صور أربع, والقدر المشترك فيها نفي الطاقة. وكما أنّ المستحيل غير مقدور فبقية الأقسام كذلك. فأمّا الصورة الرابعة من هذه الصور فقال الشيخ أبو الحسن: التكاليف كلّها وقعت على مقتضاها؛ لأنّ قدرة العبد لا تؤثّر ولا تتقدم على المقدور ولا تصلح للضدين فيتوجه التكليف على المكلّف ولا قدرة له على الفعل؛ ولا معنى لما لا يطاق إلاّ هذا. وأيضا فقد كلّف الله تعالى بالإيمان من علم أنه لا يؤمن, ووقوع خلاف علمه مستحيل, فقد كلفه بالمستحيل وهو لا يطاق. وأمّا الصور الثلاثة الأول, فنقل الشيخ أيضا القول [2] بجواز التكليف بها, واختلف عنه في الوقوع والأكثر على عدم الوقوع, احتج على جواز التكليف بذلك بقوله: (ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به) قال: ولو لم يكن التكليف بذلك جائزا لما سألوا رفعه بقوله: (لا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها) [البقرة:286] أي ما هو في طاقتها وقدرتها. واحتج من قال بوقوع ذلك بقصة أبي لهب, فإنه كلّف أن يصدّق النبي صلّى الله عليه وسلم فيما أخبره به, ومن جملة ما أخبره أنّه لا يصدّقه: (تبّت يدا أبي لهب وتبّ) [المسد:1] فكان فيه الجمع بين الضدّين, وهذا فيه نظر لأنه في الحقيقة عائد إلى الصورة الرابعة, والله أعلم.
وقوله رحمه الله: (تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد, أو يكون لأحد عنه غنى, أو يكون خالق لشيء إلاّ هو)
أي تنزّه ربّ الأرباب وتقدّس, جبّار السماوات والأرض, أن يقع غير مراده, أو أن يستغني مخلوق عنه. ولو استغنى مخلوق واحد للزم استغناء جميع المخلوقات, ولا انقلب الجائز واجبا, وصار المحتاج غنيا إلى غير ذلك من المحالات.
فالعالم كلّه علويه وسفليه محتاج إلى الحق تعالى, الغنيّ على الإطلاق
(1) سقط من ب (له) .
(2) في ب (فنقل الشيخ أيضا لمعنى للعلم للزم إلا أن يتغير فليس بعلم بيانه أن صيغة افعل للأمر والنهي والندب والإباحة إلى غير ذلك القول) .