في أن يمدّه بصفاته وشروط بقائه في كلّ زمن فرد؛ قال الله تعالى: (إنّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) [فاطر:41] وقال: (يا أيّها النّاس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) [فاطر:15] فتأمل مناسبة قوله: (الغنيّ الحميد) في هذا الموضع, وسرّ الفصل بـ «هو» بينها وبين اسمه تعالى (الله) يلحْ لك نور الهداية, (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) [النور:40] . أشرق الله قلوبنا بنور اليقين, ولطف بنا بما لطف [1] به لأوليائه المتقين. ذُكر أنّه اجتمع عبد الجبار الهمداني [2] يوما مع الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني, فقال عبد الجبار: سبحان من تنزّه عن الفحشاء. ففهم عنه الأستاذ أنّه يريد عن خلقها, فهي كلمة [3] حق أريد بها باطل. فقال الأستاذ: سبحان من لا يقع في ملكه إلاّ ما يشاء. فالتفت إليه عبد الجبار وعلم أنّه فهم عنه, فقال له: أفيريد ربّنا أن يعصى؟ فقال له الأستاذ: أفيعصى ربّنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار: إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى, أحسن إليّ أم أساء؟ فقال له الأستاذ: إن كان منعك ما هو لك فقد أساء, وإن كان منعك ما هو له فيختصّ برحمته من يشاء. فانصرف الحاضرون وهم يقولون: ليس عن هذا والله جواب.
مسألة: اختلف العلماء هل يجوز إطلاق القول بأنّ الله تعالى أراد الكفر والمعصية أم لا؟ فقال عبد الملك بن سعيد القلانسي: لا يجوز إطلاق ذلك وإن صحّ في الاعتقاد؛ لأنّ الإطلاق يلزم فيه الأدب مع الله تعالى؛ ولأن ذلك يوهم أن تكون المعصية حسنة مأمور بها, كما تقول: الأفعال كلها لله ولا تقول: الولد والصاحبة لله. وقال غيره: يجوز ذلك, وليس ما مثّل به مطابقا؛ لأنّ الإيهام في مثل هذا قوي, والإيهام في الأول ضعيف, اللهم إن كان ذلك
(1) سقط من ب (بما لطف) .
(2) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الخليلي، القاضي الأصولي، شيخ المعتزلة في عصره. توفي سنة 415 هـ. من مصنفاته المطبوعة «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (الأعلام 3/ 273) .
(3) سقط من أ (كلمة) .