هكذا نقله عنه القاضي أبو بكر ابن العربي (1) .
فالجواب عن الأول: لو لم تكن إلاّ نعمة إخراجه من العدم إلى الوجود, فكيف وما صحبه من الحياة والألطاف, وغير ذلك.
والجواب عن الثاني: أنّ النعمة على قسمين؛ نعمة جلب, ونعمة دفع. وكل قسم منهما نوعان؛ ديني ودنيوي؛ فالديني خاص بالمؤمنين, وثمرتها في الآخرة, وهو النعيم المقيم الذي لا آخر له جلبا ولا دفعا؛ وأما الدنيوي فيعمّ نوعاه جميع الخلائق, وقال الله تعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) [الإسراء:20] . فأما في الآخرة فانتفت نعمة الجلب على الكافرين بالإجماع, قال الله تعالى: (فذوقوا فلن نزيدكم إلاّ عذابا) [النبأ:30] وقال الله تعالى: (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلاّ حميما وغساقا) [النبأ:24 ـ 25] . وأما نعمة الدفع فقد تعقل (2) نسبة وإضافة؛ لأنه ما من عذاب يعذبون به إلاّ وفي المقدور ما هو أشد منه, فدفع ذلك الأشد بالنسبة إلى ما حلّ بهم نعمة, غير أنه لا يقال: إنهم في نعمة, لأنهم في محل الانتقام والغضب والعذاب الشديد (لا يفتّر عنهم وهم فيه مبلسون) [الزخرف:75] .
فإذا تقرر هذا, فمن نظر إلى نعمة الدنيا وقطع النظر عن مآلها في الآخرة, قال: الجنس كلّه منعم عليه؛ ومن نظر إلى ما آلت إليه صحة الكافر
(1) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد, المعروف بابن العربي المعارفي الإشبيلي, المالكي, من أعلام الأندلس وقضاتهم, تأدب ببلده, ثم رحل إلى المشرق, وعاد بعلم كثير. له مؤلفات هامة في التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام والتصوف. ولد سنة:468 هـ, وتوفي سنة: 543 هـ. (الأعلام:7/ 106) .
(2) في ب (تعلق)