العلم على فضل مالك رحمه الله وتقدمته في العلم والفتوى, ولم يزل أئمة الدين المقتدى بهم, المعوّل في التحقيق عليهم يختارون مذهبه ويرجحونه على المذاهب, وكلها والحمد لله سديدة. ذكر بعضهم أنّ القاضي أبا بكر ابن الطيب [1] , لسان الأمة و سيف أهل السنة رضي الله عنه, كان جالسا يوما في مجلس إقرائه وبين يديه جمع وافر, وكان يقرّر المذاهب الأربعة ويوجّهها ثم يأخذ في الترجيح [2] الاحتجاج لمذهب مالك رحمه الله, فقال له بعض أهل المجلس: رضي الله عنكم, ما رجحتموه ليس براجح, وهذه حجة ضعيفة. قال: فاصفر لونه وتغير وجهه وأطرق مليا, ثم قال: يا هذا أتقول في إمام دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ضعيفة, وأين الأدب مع العلم ومع أهله؟ أخرج من مجلسي, واحذر أن تقع عيني عليك بعد هذا اليوم؛ فلم يقدر أن يسكن معه العراق, وانتقل إلى القيروان واستوطنها ودرس بها مذهب مالك رحمه الله, وألف كتابا في مناقب القاضي أبى بكر, وصدّره بمسألته هذه, فجزاه الله خيرا عن تخلقه و تواضعه.
وكان الإمام مالك رحمه الله من الزهد والورع بالمكان الوافر, وإن كان قد نقل أنه كان يلبس المستحسن من الثياب, ويأكل الطيب من الطعام, فليس ذلك بقادح في زهده ولا في ورعه, ولكل شيء وجه, وفضائله مشهورة مسطرة مذكورة.
ومعنى قول المصنف: «على مذهبه وطريقته» قيل: هما لفظان مترادفان, [و] قيل: مذهبه ما يفتي به, وطريقته ما يفعل في خاصيته, فقد يحمل على نفسه في أشياء لا يفتي بها غيره.
(1) هو محمد بن الطيب بن جعفر الباقلاني، أبو بكر: قاض، متكلم أشعري أصولي. (338 - 403 هـ) . من مصنفاته: التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة، إعجاز القرآن. (الأعلام 6/ 176)
(2) سقط من أ (الترجيح)