فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 137

يعرف الله إلا الله» , واختاره أكثر المتأخرين وهو مذهب الأستاذ أبو الحجاج الضرير [1] رحمه الله, وكان من المحققين. وأنكر القاضي أبو بكر رضي الله عنه هذا القول ورده وتبعه عليه الإمام أبو المعالي في طائفة وقالوا: الباري تعالى يعلم والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به, فلو تعلق العلم به على خلاف ما هو به لكان العلم جهلا [2] ؛ وقد أجمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى ولو كانت مستحيلة لما اجتمعت عليه الأمة, وقد قال عليه [3] السلام: «من عرف نفسه عرف ربه» [4] أي إنّه من عرف نفسه بالافتقار والذل والصغار نفى عنها العز والاقتدار؛ عرف ربه موصوفا بالكمال, منفردا بالعزّ والجلال, منزّها عن لحوق التغيّر والزوال, متعاليا عن الأين والكيف والمثال. وهذا كلّه علم به على ما هو عليه. وقال بعضهم: هذا كلّه يوافق عليه من نفى العلم بالحقيقة من أيمة الدين, ولا يلزمه الجهل بربّ العالمين, قال: وخلاف الأيمة في هذه المسألة هو عندي خلاف في حال؛ فإن من أثبت العلم بالحقيقة مقرّ بأنّه تعالى لا يحاط به وبأنّ جلاله وعظمته وكبرياءه لا يلحقه وهم ولا يقدره فهم, وأنّ العقول قاصرة عاجزة عن إدراك ذلك الجلال.

ومن نفى العلم بالحقيقة مقرّ بأنّه تعالى عرفه العارفون بدلالة الآيات, وتحقّقوا اتصافه تعالى بواجب الصفات, وتيقنوا تنزيهه عن التشبيه بالمحدثات, وتقديسه عن الحدوث والكيفيات, وعلموا أنّه المستبدّ بإبداع الكائنات, فهو تعالى الملك المطاع الذي عزه لا يرام وسلطانه لا يضام.

(1) يوسف بن موسى الكلبي السرقسطي المراكشي, أبو الحججاج الضرير. عالم بالنحو والتوحيد, من أهل سرقسطة, وتوفي بغرناطة سنة:520 هـ. فال ابن بشكوال: له تصانيف حسان وأراجيز مشهورة, منها أرجوزته التي ذكر الشارح منها مقاطع المسماة «التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد» (الأعلام:8/ 254, الصلة:621, بغية الوعاة:424, الغنية:226) .

(2) سقط من أ (جهلا)

(3) سقط من ب (الأمة ... عليه)

(4) قال السخاوي: لا يعرف مرفوعا, وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي, وكذا قال النووي. (المقاصد الحسنة:675) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت