والوسوسة هو ما يختلج في النفس. واستعمالها في الغالب في غير الخير, ولهذا أضيفت النفس, قال الله تعالى: (إنّ النفس لأمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي) [يوسف:53] إلى غير ذلك.
وتطلق النفس [1] ويراد بها حقيقة الشيء وذاته؛ ويراد بها أيضا الروح؛ وأيضا قد يسمّى القلب نفسا إلى غير ذلك.
قوله رحمه الله: (وهو أقرب إليه من حبل الوريد)
«الوريد» عرق في العنق. وإضافة الحبل إليه من باب إضافة الجنس إلى نوعه, نحو قولهم: لا يجوز حيّ الطير بلحمه [2] .
وقرب الحق تعالى من الإنسان قرب إحاطة, لا قرب مسافة. أي إنّه لا يغيب عنه من أمره شيء, وإنّه تعالى المطّلع على الجليّ من أمره والخفي.
وقوله رحمه الله: (وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها)
تنبيه على تعلّق علمه تعالى بالخفيات.
و «الورقة» قيل: أيّ ورقة كانت في جميع أقطار الأرض. وقيل: المراد به ورقة شجرة تشبه الرمّان تحت ساق العرش, فيها أوراق على عدد أرواح الخلائق, مكتوب في كل ورقة اسم صاحبها, وملك الموت ينظر إليها, فإذا اصفرّت منها ورقة علم قرب أجل صاحبها, فيوجه إليه أعوانه, فإذا سقطت قبض روحه. وفي بعض طرق هذا الأثر أنّ سقوطها على ظهرها علامة على حسن العاقبة, وسقوطها على بطنها علامة على سوء العاقبة والعياذ بالله.
وقوله رحمه الله: (ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين)
المراد بالحبّة هنا أقل قليل, عبّر عنه بالحبّة تقريبا للأفهام. ولو حمل ذلك على حبّة يتأتّى قسمتها لبقي في الآية السؤال: هل هي معلومة لله أم لا؟ ويبطل معنى الآية على ذلك, فتعين ما قلناه. وذلك الأقل هو المسمّى في الاصطلاح بالجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة.
(1) سقط من ب (قال الله ... النفس)
(2) في أ (لا يحول حتى الطير بلحمه)