أو نطقي, أو ما أشبه ذلك من الصيغ التي ينتفي معها الإيهام؛ فذهب الإمام أبو عبد الله البخاري وعبد الله بن سعيد إلى جواز ذلك, وهو مذهب أكثر المتأخرين [1] . وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى الامتناع من ذلك مطلقا, كان اللفظ مطلقا أو مقيّدا. وأمّا الإمام مالك رحمه الله لم يسمع عنه في ذلك شيء. قال بعضهم: والصحيح ما قاله البخاري ومن تبعه في ذلك؛ لأنّ الحكم إذا علّل بعلة فإنه ينتفي بانتفائها, قال: وإنّما امتنع الإمام أحمد من ذلك لأنّه امتحن على أن يقول بخلق القرآن فأبى, فقيل له: قل لفظي بالقرآن مخلوق, فقال: ولا أقول ذلك, ولا يسمع مني التلفّظ بالخلق مع ذكر القرآن, مع ما في ذلك اللفظ من معنى المج والطرح, فاتقى رضي الله عنه أن توهم المبتدعة على السامعين القول بخلق القرآن, ويتوصلون بذلك إلى غرضهم, فامتنع من كلّ إطلاق يؤدي إلى ذلك حسما للذريعة, وصبر على ما أوذي في الله تعالى. ثم حدثت فرقة أخرى بعد وفاته رحمه الله, وقالوا: إنما امتنع من ذلك لأنّه يقول بقدم الحروف, فاعتقدوا ذلك ونسبوه إليه وتسمّوا بالحنابلة, وحاشاه منهم, والله حسبهم.
وقوله رحمه الله: (ليس بمخلوق فيبيد, ولا صفة لمخلوق فينفد)
لمّا أن كان الموجود الحادث إمّا جوهرا وإمّا عرضا؛ وكلّ جوهر فهو فَانٍ أو بصدد الفناء فعبّر عن ذلك بقوله: «فيبيد» . وكلّ عرض فهو مستحيل البقاء, فليس له في الوجود إلاّ زمن واحد, فعبّر عنه بقوله: «فينفد» . وكلّ مخلوق فلا يخرج عن الوصفين؛ وقد خرج القرآن عنهما, فليس بمخلوق. وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنّه قال: «القرآن كلام الله ليس بمخلوق» [2] وقال السيد علي رضي الله عنه بمحضر الجمهور من الصحابة: «أتظنّون أنّي حكّمت مخلوقا؟ والله ما حكّمت مخلوقا, وإنّما حكّمت القرآن» [3] . وسمع ابن عباس رضي الله عنه رجلا يقول: يا رب القرآن فنهاه, وقال له: «القرآن غير مربوب, وإنّما المربوب
(1) سقط من ب (الإمام أبو عبد الله المتأخرين) .
(2) لا يعرف مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى أحد من أصحابه.
(3) البيهقي في الأسماء والصفات؛ وابن أبي حاتم في السنة. (جامع الأحاديث والمراسيل:18/ 248) .
(4) البيهقي في الأسماء والصفات ص:242. وإسناده ضعيف.