مجوس هذه الأمة» [1] . والقدري هو مدّعي القدر لنفسه. وقد ورد عن علي رضي الله عنه أنه قال لقدري: أتقدر بالله, أم مع الله, أم دون الله. فإن قلت بالأول فأنت مؤمن, وإلا ضربت عنقك.
وقال لآخر: أخلقك كما شاء أو كما شئت؟ قال: كما شاء؛ قال: ويصرفك فيما شاء أو فيما شئت؟ قال: فيما شاء؛ قال: ويصيّرك إلى ما شاء أو إلى ما شئت؟ قال: إلى ما شاء [1] ؛ قال: إذا ليس لك من الأمر شيء؛ فتبا لطائفة يقولون: إنّ الله تعالى يخلق الخير, ولا يخلق الشرّ, ولا يقع بإرادته, ويجعلون لله شريكا في ملكه ويتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
[روى] مسلم [2] : جاء مشركو العرب يخاصمون النبيء صلّى الله عليه وسلّم في القدر, فنزلت: (يوم يسحبون في النّار على وجوههم) إلى قوله: (إنّا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر:47 - 48 - 49] .
وفيه سؤال عمران عن القدر, وجوابه صلى الله عليه وسلم للرجلين من مزينة بكل شيء قضى عليهم ومضى فيهم. قال: وتصديق ذلك من كتاب الله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) [الشمس:7 ـ 8] الحديث [3] .
وفيه: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة» الحديث [4] .
(1) أخرجه أبو داود في السنة, باب القدر؛ والحاكم في الإيمان, باب القدرية مجوس هذه الأمة, وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين, إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر, ووافقه الذهبي.
(2) سقط من ب (أو فيما شئت ... )
(3) أخرجه مسلم في القدر, باب كل شيء بقدر.
(4) مسلم في القدر, باب كل شيء بقدر. عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّئَليِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ علَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَقَالَ: أَفَلاَ يَكُونُ ظُلْماً؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذلِكَ فَزَعاً شَدِيداً. وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ. فَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللّهُ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلاَّ لأَحْزِرَ عَقْلَكَ. إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللّهِ. فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: «لاَ. بَلَ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ. وَتَصْدِيقُ ذلِكَ فِي كِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا» .
(4) أخرجه البخاري في الأنبياء, باب خلق آدم وذريته؛ ومسلم في القدر, باب كيفية خلق الآدمي؛ عَنْ عَبْدِ اللّهِ، قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللّهِ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً. ثُمَّ يَكُونُ فِي ذلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذلِكَ. ثُمَّ يَكُونُ فِي ذلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذلِكَ. ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ. وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لاَ إِلهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ. فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ. فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ. فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ. فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَيَدْخُلُهَا» .