وفي هذه الآية دلالة رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك أن قوله: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أن ذلك الرجل لم يطلع على سره أحدًا، وقد أطلع اللَّه - تعالى - نبيه؛ حيث أخبرهم بالكتاب؛ فثبت أنه علمه بالوحي، واللَّه أعلم.
ثم اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟
فقال الحسن: إنها نزلت في أهل النفاق.
وقال غيره من عامة المفسرين: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وهذا أشبه التأويل بالصواب، وأقرب إلى الحق؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) : فقد أخبر أن الكفرة عدو لهم، ولو كانت الآية في أهل النفاق لم يكن الكفرة عدوًّا لهم؛ بل كانوا أولياء، فثبت أن المراد منه: المؤمنون، واللَّه أعلم.
وفي هذه الآية دلالة أن ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل لم يخرجه من الولاية؛ لأنه قال: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ، ولو كان ذلك الذنب يكفره ويخرجه عن الإيمان لم يكن ذلك الكافر عدوًّا له؛ بل يكون وليًّا له بقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، ولأجل أنه قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) : سماه: مؤمنًا، والدليل على أن ذلك الذنب كان كبيرة أنه أخبرهم بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جهزهم للقتال، وفيما أخبر: أمر بأن يستعدوا لقتال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وحربه، ولا يشكل أن من أمر بقتال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان مرتكب كبيرة، وإذا كان كذلك، وقد أحله اللَّه - تعالى - في جملة المؤمنين بقوله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي) وبما وصفناه من الدليل - ثبت أن الكبيرة لا تكفره، ولا تغير اسم الإيمان عنه، واللَّه الموفق.