قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)
[توجيه القراءات في قوله تعالى: {لَا يَهِدِّي} ]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: {أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} : قرأ ابن كثير وورش وابن عامر (يهدي) بفتح الياء والهاء وتشديدا الدال. وأصله: يهتدي، مضارع اهتدى. والعرب تدغم تاء الافتعال في مثله ومقاربه إدغامًا غير لازم. أما في المثل فلأنها كالمنفصل، فإن تاء الافتعال لا يلزمها وقوع تاء بعدها. وأما في المقارب فواضح. فإذا قصدوا إلى الإدغام اسكنوا التاء وقلبوها دالًا لأجل الإدغام، فاجتمع ساكنان: الهاء والدال،
ففتحوا الهاء لالتقاء الساكنين، وخصت بالفتح تنبيها على حركة ما أسكن للإدغام، كما ضموا في (يرد) ، وكسروا في (يفر) ، وفتحوا في (يعض) ، وأصله: يردد ويفرر ويعضض.
وهذه أوضح قراءات التشديد في هذا الحرف. وقرأ حفص (يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وأصله كما تقدم، والإدغام كالإدغام، إلا أنه كسرت الهاء لالتقاء الساكنين، ولم يراع ذلك الأصل المتقدم من حيث كان ذلك الأصل للتنبيه على ما تختلف حركته، لأن عين الفعل تكون مفتوحة ومضمومة ومكسورة، فلو لم يفعلوا ذلك لأدى إلى اللبس بخلافه ههنا، فإن تاء الافتعال لا يلبس أمرها في أنها بالفتح، فلا حاجة إلى تنبيه عليها، فلذلك كسر الأول من الساكنين على أصل الساكنين. وقرأ أبو بكر مثل حفص، إلا أنه بكسر الياء، ووجهه كوجهه، وكسر الياء لاتباع الهاء، لما في الهاء من الخفاء، فلما كسرت أشبهت الياء فكسر ما قبلها لذلك. وقرأ أبو عمرو وقالون (يهدي) بفتح الياء وإخفاء فتحة الهاء وتشديد الدال، وأصله أيضًا: يهتدي. وعلة الإدغام كما تقدم، إلا أنه لم تمكن فتحة الاء ولم تبق ساكنة جمعًا بين أصلها وعارضها. لأن أصلها الإسكان، والعارض يقتضي التحريك فسلك أمر بين أمرين لإمكانه، ولم يسلك ما سلك في (يرد) كما تقدم من أن الحركة ثم مقصودة بالمحافظة بخلافها ههنا.
ويعض القراء يترجم له في قراءتهما بسكون الهاء، وهو ضعيف لما يؤدي إليه من التقاء الساكنين. وقرأ حمزة والكسائي (يهدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال، وهو مضارع هدى، فلا إشكال فيه. والاستثناء مفرغ لأن المعنى: أم من لا يهدي بسبب من الأسباب إلا بأن يهدي. والقياس مجيء الباء في مثله، مثل قوله: ما مررت إلا بزيد. إلا أنه حسن حذفها ههنا لمجيئها مع أن، وحروف الجر تحذف مع أن وأن، وتثبت قياسًا مطردًا، لذلك حسن الحذف. والله أعلم بالصواب.