فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 200

قوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198)

[الخلاف في عرفات هل هي مصروفة أو غير مصروفة؟]

وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات}

اختلف العلماء في عرفات ونحوها، هل هي مصروفة أو غير مصروفة؟.

فذهب بعضهم إلى أنها لا تُوصف بصرف ولا بعدم صرف. وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أنها غير مصروفة، فهؤلاء يقولون: هذه عرفات ورأيت عرفات ومررت بعرفات، وليس بشيء. وذهب قوم إلى أنها منصرفة لعدم ما يمنع الصرف، وليس بجيد.

الدليل على المذهب الأول: أن المنصرف عبارة عما يقبل الحركات الثلاث والتنوين لفظًا أو تقديرًا، وهذا ليس كذلك. وغير المنصرف ما يمتنع من الجر والتنوين لعلتين، وهذا ليس كذلك.

فإن قال أصحاب المذهب الثاني: فهو ممتنع عندنا من الخفض والتنوين لوجود العلتين. قلنا: هذا فاسد من جهة أن الجموع إذا سمي بها بقيت على حالها التي كانت عليه قبل التسمية في الإعراب. ألا ترى أنك لو سميت بزيدون امرأة، لقلت: هذه زيدون ورأيت زيدين ومررت بزيدين. فإن قالوا: في (زيدون) إذا سميت به وجه آخر، وهو أن تقول: هذه زيدين، وإنما قبل: زيدين بالياء ولم يقل زيدون بالواو لأن الياء أخف، ولأنه أكثر، ورأيت زيدين ومررت بزيدين، فتعربه بأعراب المفرد غير المنصرف إن كانت فيه علتان، وبإعراب المنصرف إن لم يكن فيه علتان. قلنا: إنما كان كذلك من جهة أنه معرب بالحروف، وهو خلاف إعراب المفردات، فجعل له وجه آخر ليشبه المفرد في إعرابه لما جعل في المعنى اسما لمفرد.

وأما عرفات وشبهه فهو معرب بالحركات، فلا يلزم من تغيير (زيدون) لما جعل مفردا لكونه معربا بالحروف أن يغير عرفات وليس معربا بالحروف.

ووجه آخر وهو: أن (زيدين) إذا أعرب بالحركات كان منصرفا تدخله الحركات الثلاث والتنوين إن لم تكن فيه علتان، وغير منصرف يمتنع منه الجر والتنوين إن كانت فيه علتان، وأما عرفات فلا يتحقق فيه دخول الحركات الثلاث ولا امتناع الجر والتنوين لأجل العلتين، فلا يلزم من الحكم على (زيدين) بمنع الصرف الحكم على عرفات.

وأما المذهب الثالث فغاية ما يقولونه: إنه منصرف لأنه لم يجتمع فيه علتان. والكلام عليهم من وجهين:

أحدهما: أنا نقول: إن كان منصرفا لزم أن يدخله الحركات الثلاث والتنوين، وهذا ليس كذلك. والوجه الثاني: أنا نقول: لو سمينا به امرأة لوجب أن تكون فيه علتان بلا خلاف، وعند ذلك لا يخلو إما أن تعربوه على حاله، فوجب ألا يقل: إنه غير منصرف لأنه لم يمتنع من الجر والتنوين ولم يدخله الفتح، وإما أن تعربوه إعراب ما لا ينصرف، فيكون مذهبكم حينئذ هو المذهب الثاني، وقد تقدم بطلانه. لأن غاية ما قدره هؤلاء أنه ههنا ليست فيه علتان إذ جعلوا التأنيث اللفظي فيه لا اعتداد به لكونه للجمع، والتأنيث التقديري لا اعتداد به لتعذر تقديره مع تاء الجمع فمشوا مذهبهم في عين المسألة بعض مشي. فإذا فرض تسميتهم بها امرأة وجب أن تكون فيه علتان، وعند ذلك إما أن يسلموا ما ذكر أولًا، وإما أن يكون مذهبهم هو المذهب الثاني. والله أعلم بالصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت