قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ...(176)
[تثنية الضمير في قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين} ]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين} :
قال أبو علي الفارسي: إنما جاز ذلك مع أن التثنية قد استفيدت من الاسم لأنه أريد مجردًا عن الصغر والكبر، وعلي ذلك يجوز أن يكون فيه فائدة زائدة لم تستفد من قوله: كانتا، وتقديره أنه قد علم أن السماء العدد لمطلق المعدودات من غير اعتبار صفة مخصوصة فأطلق ههنا لهذا الغرض. ويرد عليه أن اللفظ وإن كان صالحًا لإطلاقه على الشيء مجردًا عن الصفات باعتبار الذات لا يصح إطلاقه خبرًا دالًا على التجريد عن الصفات، وإنما يعني باللفظ ذاته الموضوعة له. ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني رجل، لا يفهم منه إلا ذات من غير أن يدل على تجريد عن مرض أو جنون أو عقل. ثم ولو سلم صحة إطلاق اللفظ لذلك فهو ههنا لا يصح، إذ لو صح لجاز أن يقال: فإن كانتا على أي صفة حصلت، ولو قيل ذلك لم يصح، لأن تثنية الضمير في (كانتا) لم تصح إلا للإخبار عنه باثنتين، مثل قولك: من كانتا جديتك. فتثنية (كانتا) وإن كان باعتبار الضمير يعود على من لم يصح إلا للإخبار عنه بالمثني، وأولى من ذلك أن يقال: الضمير في (كانتا) عائد على الكلالة، والكلالة تكون واحدًا واثنين وجماعة. فإذا أخبر باثنين حصلت به فائدة، ثم لما كان الضمير الذي في (كانت) العائد على الكلالة هو في المعنى اثنين صح تثنيته،
فإذن تثنيته فرع عن الإخبار باثنين، إذ لولاه لم يصح، فصح أنه لم تستفد التثنية إلا من قولك: اثنين. وقد أورد على ذلك اعتراض وهو أن هذه الآية مماثلة لقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} ، ثم قال: {فإن كن نساء} ، {وإن كانت واحدة} ، فقوله: وإن كانت واحدة، لو كان على ما ذكرتم لوجب أن يصح إطلاق الأولاد على الواحد كما في الكلالة، وإلا كان الضمير لغير مذكور. والجواب بشيء يشمل الجميع وينفي ذلك الأول أيضًا على ما ذُكر، وهو أن يقال: إن الضمير قد يعود على الشيء باعتبار المعنى الذي سيق له ونسب إلى صاحبه، فإذا قلت: إذا جاءك رجال فإن كان واحدا فافعل به كذا، وإن كان اثنين، فصح إعادة الضمير باعتبار المعنى لأن المعنى المقصود الجائي، فكأنك قلت: فإن كان الجائي من الرجال، لأنه علم من قولك: إذا جاءك. والآية سيقت لبيان الوارث من الأولاد، فكأنه قيل: فإن كان الوارث من الأولاد، لأنه المعنى الذي سيق له الكلام، وكذلك في آية الكلالة، المعنى: فإن كان الوارث من الكلالة، لأنه الغرض المقصود، فقد دخلت الآيتان باعتبار هذا المعنى. ويجوز أن تبقى الآية الأولى على ما ذُكر، ويكون هذا الجواب مختصًا بهذه. والله أعلم بالصواب.