قوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ...(77)
[إعراب قوله تعالى: (أو أشد خشية)
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة عشر على قوله تعالى: {أو أشد خشية} :
يجوز في نصبه أوجه: أحدها: وهو اختيار الزمخشري، أن يكون حالًا معطوفًا على الكاف، فيكون المعنى: تخشون الناس مثل أهل خشية الله، ولا يجوز أن تكون الكاف نعتًا لمصدر محذوف عنده، لأنه كان يلزم أن يكون أو أشد خشية، لأن أفعل التفصيل إذا ذُكر بعده ما هو من جنسه وجب أن يكون مخفوضًا، لأن الغرض نسبته إلى شيء اشترك هو وهم في ذلك المعنى وزاد عليهم، وهذا معنى الإضافة، إلا أنه خالف باب الإضافة من حيث إنه تجب إضافته إلى شيء هو بعضه، فيكون التقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد. فأشد على هذا في موضع نصب عطفًا على الكاف. ولا ينبغي أن تكون في موضع خفض عطفًا على الأهل الذي قامت (خشية) مقامه، لأنه يكون التقدير: مثل أهل خشية الله، أو مثل قوم أشد خشية، فيكون فيه حذف موصوف وإقامة الصفة مقامه، وليس بقياس في غير المصادر.
والوجه الثاني: أن تكون (كخشية الله) على ظاهرها نعتًا لمصدر محذوف، فيكون قوله: (أو أشد خشية) ، من باب قولهم: جد جده، كأنه جعل للخشية خشية مبالغة، كما جعل للجد جد مبالغة، فيكون ذكر خشية بعد أشد على أنه معنى للخشية لا على أنه جنس، وإن وافق لفظه، فيكون مثل قولك: زيد أشد خشية. وعلى هذا يجوز أن يكون (أشد) معطوفًا على خشية الله المجرورة بالكاف لكونه مصدرًا، ولمصادر يجوز حذف موصوفاتها، يكون التقدير: خشية مثل خشية الله، أو مثل خشية أشد من خشية الله.
والوجه الثالث: أن يكون (أشد) منصوبًا بفعل مضمر دل عليه (يخشون) الأول، فيكون التقدير: يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو يخشون الناس أشد خشية، فتكون الكاف نعتًا لمصدر محذوف، و (أشد) حالًا، وهذا أولى لوجهين:
أحدهم: أنه جرت فيه الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه في أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل، لأن ذلك في المفردات، وهذه جمل، ولا يلزم في مفردات الجمل المعطوف بعضها على بعض أن تكون من باب واحد. والوجه الثاني: أن قوله: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا (ليس له وجه مستيم إلا هذا، فينبغي أن يكون هذا في الإعراب مثله لموافقته لفظه، لأنك في(أشد ذكرا) ، لا يستقيم أنتقول: هو حال، لأن قوله: (كذكركم) ، يمنعه بالظاهر وبالتقدير، ولا يستقيم أن تكون الكاف نعتًا لمصدر محذوف، لأن (أشد ذكرا) يمنعه، ولا يمكن أن يكون (اشد) معطوفًا على (ذكركم) ، لأنه كان يجب فيه الخفض، ولا يستقيم أن يكون (أشد) معطوفًا على الكاف والميم في قوله: (كذكركم) ، لأنه يكون عطفًا على المضمر المجرور من غير إعادة عامل، وإذا قدرناه جملتين استقام، فيكون المعنى:
فاذكروا [الله] ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو اذكروا الله في حال كونكم أشد ذكرًا في ذكر آبائكم، وهو الذي ذكرناه.
وذكر الزمخشري في هذه الآية الأخيرة وجهين:
أحدهما: أنه قال: معطوف على ما أضيف إليه الذكر، وهذا عطف على المضمر المخفوض وذلك لا يجوز عنده. ورد قراءة حمزة أقبح رد، والوجه الثاني: أنه قال: معطوف على (آباءكم) فيكون التقدير: فاذكروا الله مثل ذكركم آباءكم أو مثل قوم أشد ذكرًا، على معنى: مذكورين كثيرًا، وهذا يلزم منه أن يكون أفعل للمفعول وهو شاذ لا يرجع إليه إلا بثبت، وأفعل لا يكون إلا للفاعل كقولهم: هو أضرب الناس، على معنى: أنه فاعل الضرب، سواءً أضفته أو نصبت عنه تمييز، والله أعلم بالصواب.