قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ...(236)
[معنى (أو) في قوله تعالى: {أو تفرضوا لهن فريضة}
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} :
اختلف في (أو) هذه. فقيل: إنها التي بمعنى: إلا أن، أو: إلى أن، فيكون (تفرضوا) في موضع نصب بإضمار (أن) أو بـ (أو) على رأي. وقيل: إن (أو) عاطفة على قوله: (تمسوهن) ، أي: ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، فيكون مجزومًا بالعطف على (تمسوهن) .
وإنما خالف الأولون الظاهر في (أو) لأحد أمرين: إما لأنها إذا جعلت بمعنى (أو) [العاطفة] كان المعنى: لا جناح عليكم فيما يتعلق بمهور النساء إن طلقتم النساء إذا انتفى أحد هذين الأمرين، لأن (أو) العاطفة تستلزم ظاهرًا معنى أحد الأمرين، وإذا استلزمت ذلك لم يستقم لأنه ينتفي أحد الأمرين وهو الفرض، فيلزم صداق المثل بالمسيس، أو ينتفي المسيس وهو أحد الأمرين، فيلزم نصف ما فرض. وإن كان المسيس منتفيًا فلا يصح نفي الجناح عند انتفاء أحدهما لذلك. والثاني: أن المطلقات المفروضات لهن قد ذكرن ثانيا وترك ذكر الممسوسات لما تقدم من المفهوم، فلو كانت العاطفة لكان المفروضات في الذكر كالممسوسات، وليس الأمر كذلك.
وإذا جعلت (أو) بمعنى: إلا أن، أخرجت عن مشاركة الممسوسات، فلم يلزم ظهور دخولهن معهن، ولذلك لم ير مالك للمطلقات المفروض لهن قبل المسيس متعة، لأنه لم ير دخولهن في الآية المتقدمة لما ذكرن ثانيا. وجعل المتعة للمسوسات خاصة، أو لغير الممسوسات ولغير المفروض لهن، لأنه لما ذكر المطلقات المفروض لهن ثانيا بحرف الشرط دل ظاهرًا على أنهن لم يكن مرادات أولًا. فلذلك حمل (ومتعوهن) على غيرهن.
ويمكن أن يقال عن الأول: لا يلزم أن يكون المعنى: ما أنتفى أحدهما، بل المعنى: ما لم يكن أحدهما. وفرق بين قول القائل: انتفى أحد الأمرين، وبين قول القائل: ما كان واحد من الأمرين. فإن الأول لا ينفي إلا أحدهما لأنه نكرة ليست في صريح سياق النفي، والثاني ينفيهما جميعًا، لأنها نكرة في صريح سياق النفي. فإذا لا فرق في المعنى بين أن تكون: إلى أن، وبين أن تكون العاطفة. فكان حملها على العاطفة أولى، لأنه الأكثر. وإما فلا يلزم من مشاركتهن الممسوسات فيما ذكر مشاركته لهن فيما وراء ذلك. هذا مع أنه قد ذكر ثانيا ما يدل على انتقاء وهم المشاركة. والله أعلم بالصواب.