قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(26)
[دخول إن الشرطية على الماضي]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت} .
وكذلك قوله تعالى: {إن كنت قلته فقد علمته} . وكذلك قول الشاعر:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
الصحيح أن (إن) الشرطية إذا دخلت على الماضي قلبته مستقبلا. فأما قوله: (إن كان قميصه) ، فلأن (كان) بمعنى: ثبت، فكأنه قيل: إن ثبت أن قميصه. وثبوت الشيء لا يلزم منه ألا يكون قبل ذلك ثابتا، فهي على بابها في الاستقبال، لأن المعنى: إن يثبت هذا في المستقبل فهي صادقة. وبهذا التأويل أول قوله: إن أذنا قتيبة حزتا، على أن القدير: إن كانت أذنا قتيبة حزتا. وقد ثبت حذف (كان (الناقصة مع الشرط كثيرا، كقولهم: إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ونظائره كثيرة. وأما إن جعلت إن بمعنى إذ فلا تحتاج إلى جواب.
وأما قوله تعالى: {إن كنت قلته} ، فعلى معنى: إن ثبت أيضا. ولا يقدح أن يقال: إنه عالم بثبوته وعدم ثبوته، فلا يصح فيه (إن) لأنها إنما تدخل على الأشياء المشكوك فيها. فالجواب: أن هذا لازم أيضا وإن لم تكن بمعنى: ثبت، فإن كونه قاله أو لم يقله أمر يعلمه فلا تدخل (إن) عليه. فما أجوبوا به أجبنا به. والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن أمر القيامة عظيم هائل يذهل فيه العالم عن علمه. ألا ترى إلى قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} والثاني وهو الظاهر: أنه خرج مخرج الإنكار على وجه الأدب، فإن العظيم يخاطب في الإنكار بصيغة الشرط. يقال للملك إذا قال: هل فعلت كذا لشيء ينكره: إن كنت فعلته فقد نقل إليك، على معنى: أني لم أفعله، فكذلك الآية. والله أعلم بالصواب.