قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا(94)
[الكلام في إعراب قوله تعالى: {أبعث الله بشرًا رسولا} ]
وقال أيضًا ممليا على قوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولا} :
(رسولًا) نعت لبشر، والمعنى: إنكارهم بشرًا موصوفًا بصفة الرسالة. وقول الجرجاني: إنه لا يستقيم أن يكون صفة لما يؤدي إليه أن يكون رسولا قبل البعث، ولا يستقيم، أخذًا من أن الصفة يجب ثبوتها للموصوف قبل الحكم، فيلزم ذلك غلط. والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكره إنما يكون في الإثبات لا في النفي، والإنكار نفي. ولو كان ما زعمه مستقيمًا لم يستقم أن يقال: ما في الوجود إله ثان، لأنه يلزمه فساده بعين ما ذكره، إذ لا يستقيم نفي ثبوته، ويعد ثبوته لا يستقيم نفي ثبوته. وحل الإشكال من وجهين:
أحدهما: وهو قول الأكثرين أن نفي الجمع في مثل ذلك لم يرد على شيء بعد تحققه، وإنما معنى مثل قولك: لا تجتمع حركة وسكون: أنك تفهمت الجمع المطلق ثم نسبته إلى الحركة. والسكون، فوجدت العقل يأباه، لا أنك تعقلته مثبتًا ثم نفيته، فكذلك ما ذكرناه على توهمهم الاستحالة في أن يكون بشر رسول، وعلى هذا قولهم: يستحيل اجتماع الضدين، وجميع ما يأتيك. وهؤلاء هم القائلون باستحالة تعقل الأمر على خلاف حقيقته. الوجه الثاني: أن يكون متعقلًا في الذهن وإن كان مستحيلًا في الوجود، فينفي باعتبار الوجود وإن كان معتقلا ثبوته، فعلى هذا يكون البشر الرسول متعقلا عندهم في الذهن، وإنما أنكروا وجوده.
والوجه الثاني: أن نسلم أن ذلك جار في النفي والإثبات، ولا يلزم ما ذكروه ههنا، لأن حصول البعث مستلزم للرسالة، فعند بعثه يكون رسولا، فيصح وصفه، فلا يلزم توقف أحدهما على الآخر، فيندفع الإشكال. وحمله هؤلاء على الحال لما تخيلوه، وارتكبوا من أجل ذلك صحة الحال من النكرة.
ولا يستقيم أن يكون عطف بيان، لأن من شرطة أن يكون اسمًا غير صفة في الأصل. ولا يستقيم أن يكون بدلًا لأنه لابد له من موصوف مقدر، فيكون التقدير: أبعث الله بشرًا بشرًا رسولًا؟ فيرجع الأمر إلى ما كان عليه. فإن قدر موصوف غير ذلك كان من بدل الغلط، ولا يستقيم في المعنى حمل القرآن عليه. والله أعلم.