قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)
[توجيه القراءات في قوله تعالى: {لتزول منه الجبال} ]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} : قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى من (لتزول) ورفع الفعل بعدها، وهذه اللام على هذه القراءة هي اللام الفارقة بين المخففة والنافية. تلزم المخففة لتفصلها عن النافية، فيكون معنى قراءته: أن مكرهم تزول منه الجبال.
وقرأ الباقون بكسر اللام الأولى من (لتزول) ونصب المضارع بعدها، لأنها اللام المؤكدة التي ينصب الفعل بعدها. إما بتقدير (أن) على قول البصريين، وإما بغيرها على قول غيرهم. وتسمى لام الجحود لأنها لا تأتي إلا بعد جحد، فتكون (إن) نافية.
والمعنى: ما كان مكرهم تزول منه الجبال. والجمع بين القراءتين، مع أن النفي والإثبات فيهما تواردًا على صورة واحدة. ولا يستقيم تناقض القراءتين عندنا لأنهما ثابتتان بالتواتر، فكلاهما مقطوع به، فلا بد من التأويل. فمعنى قراءة الكسائي: إثبات أن مكرهم عظيم تزول منه الأمور العظيمة التي لا تبلغ مبلغ المعجزات كالقرآن ونحوه.
ومعنى قراءة الجماعة: نفي أن مكرهم تزول منه المعجزات العظام كالقرآن ونحوه لثبوتها واستقرارها كاستقرار الجبال.
فالجبال على قراءة الكسائي: الأمور العظام التي لم تبلغ مبلغ المعجزات. والجبال على قراءة الجماعة: المعجزات العظام كالقرآن ونحوه. وعلى هذا التأويل لم يجيء النفي والإثبات باعتبار واحد. وإذا لم يكونا باعتبار واحد فلا تعارض بين القراءتين والله أعلم بالصواب.