قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا(69)
[إعراب قوله تعالى: {أيهم أشد} ]
وقال أيضا ممليًا بالقاهرة سنة عشر على قوله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} .
قال الشيخ: اختلف في إعرابها. فمذهب الخليل أنه مرفوع على الحكاية تقديره: لننزعن الذي يقال فيهم: أيهم أشد. فهي على هذا استفهامية، ولذلك قدر القول ليصح وقوع الاستفهام بعده. ومذهب سيبويه
أنه مبنى على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب، فقيل: أيهم هو أشد، فهي على هذا موصولة بمعنى الذي في موضع نصب مفعولًا. لـ (ننزعن) ، أي: لننزعن، الذي هم أشد، فضمها بناء. وأيهم الموصولة تبني عند حذف صدر الصلة على الأفصح، فإن جاءت كاملة الصلة أعربت باتفاق كقولك: ضربت أيهم هو قائم. ومذهب سيبويه الصحيح، لأن قول الخليل يلزم منه أمور: أحدها: حذف كثير وهو على خلاف القياس. وإنما القول الذي يصح حذفه قول مفرد غير واقع صلة، مثل قوله تعالى: {والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} . وكذلك قوله: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم} . ومثله في القرآن كثير. وأما حذف الصلة والموصول جميعًا فهو بعيد .. الثاني: أن المعنى لا يستقيم إلا أن يقدر: الذي يقال فيه هو أشد، وليس الكلام كذلك. والثالث: أن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم أو القول على الحكاية، ولا يقع بعد غيره من الأفعال، تقول: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ ولو قلت: ضربت أزيد عندك أم عمرو؟ لم يجز. و (ننزعن) ليس من أفعال العلم. فإذا قلت: ضربت أيهم قام، فالوجه أن تقول: هي الموصولة لا أن تقول: ضربت الذي يقال فيه أيهم قام. وإنما
يوهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحا لجهة أخرى مستقيمة، فيتوهم المتوهم أن حمله على الجهة الأخرى مستقيم. والذي يدل عليه أنك لو قدرت موضعه استفهامًا صريحًا ليس له جهة أخرى يستقيم باعتبارها لم يجز، فلو قلت: ضربت أزيد عندك أم عمرو؟ لكان منافيًا لكلام العرب، بخلاف قولك: ضربت أيهم عندك. فلو كانت أيهم استفهامًا يجوز فيها ذلك التقدير لجاز في الاستفهام الذي بمعناها، وإنما المجوز لها ما ذكرناه من كونها موصولة، فثبت أن الوجه مذهب سيبويه، ولا يلزم إلا حذف المبتدأ، وهو سائغ في كل موضع عند قيام القرينة. وفي هذا الباب قياس للزوم القرينة، وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم أو القول. أما القول فلأنه يحكى بعده كل شيء فلا إشكال فيه. وأما أفعال العلم فإنما وقع بعدها الاستفهام لأحد أمرين: إما يكون الاستفهام مستعلمًا به؛ فكأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه: أعلمني، فإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه: علمتُ ما يطلبُ إعلامك بهذا، فصح وقوعه لما بينهما من الاشتراك في معنى العلم، وحُمِل الحسبان والظن عليها لكونها من بابها. وإما لكثرتها في الاستعمال، فجعل لها شأن في الكثرة ليس لغيرها، كما جُعل لها خصائص في غير ذلك. ولم يكثر غيرها كثرتها، والله أعلم بالصواب.