قوله تعالى: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى(63)
[توجيه قراءات قوله تعالى: {إن هذان لساحران} ]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: {إن هذان لساحران} :
قرأ أبو عمرو إن هذين لساحران. وهي قراءة واضحة. وكذلك روي عنه أنه قال: إني لأستحيي أن أقرأ: إن هذان لساحران، ولعله لم يثبت عنده تؤاثره.
وقرأ ابن كثير وحفص إن هذا لساحران. إلا أن ابن كثير شدد النون، ولها وجهان: أحدهما: ما ذهب إليه البصريون أن إن مخففة من الثقيلة، وهذان مبتدأ، لبطلان عمل إن لتخفيفها، ولساحران: خبر، واللام عندهم هي اللام الفارقة بين إن المخففة والنافية، فتدخل على الخبر إن كان بعدها جملة اسمية، وعلى ما هو في معناه إن كان بعدها جملة فعلية. ولذلك التزموا أن يكون الفعل الواقع بعدها من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر؛ وجوز الكوفيون غيره.
والوجه الثاني: ما ذهب إليه الكوفيون أن إن نافية وما بعدها مبتدأ، واللام بمعنى إلا وما بعدها خبر المبتدأ، كأنك قلت: ما هذان إلا ساحران.
وقرأ الباقون: إن هذان لساحران. وهي مشكلة، وأظهرها أن يقال: إن (هذا) مبني لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وهي لغة واضحة، ومما يقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليست إعرابًا في التحقيق لوجود علة البناء من غير معارض، لأن العلة في بناء هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة، وهذا كذلك.
وقد قيل: إن (إن) بمعنى نعم، وهذان لساحران: مبتدأ وخبر، وهو ضعيف من جهة أن (إن) بمعنى نعم لم يثبت إلا شاذًا، ومن جهة أن لام الابتداء لا تدخل على الخبر مع كونها مبتدأ.
وأما من قال: إن (إن) فيها ضمير الشأن محذوفًا، والمراد: إنه هذا
لساحران، فأضعف لدخول اللام في الخبر، ولأن حذف ضمير الشأن المذكور لم يثبت إلا شاذًا في مثل قولهم:
إن من يدخل الكنيسة يوما.
وعلى ثبوته فهو ضعيف باتفاق، والله أعلم بالصواب.