قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ...(95)
[إعراب (غير) في قوله تعالى: {غير أولي الضرر} ]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر} :
قال الفسوي وغيره من النحويين: إن غير في الرفع صفة للقاعدين، وذلك أن غير نكرة وإن أضيفت إلى المعارف لشدة إبهامها، فكيف يستقيم على هذا أن تكون صفة؟. فإن أجيب عن ذلك: بأن هذا مثل قوله تعالى: {أنعمت عليهم غير المغضوب} لما كانا محصورين. فإذا قلت: مررت بالمسلم غير الكافر جرت ههنا وصفا لانحصار الضدين. فنقول: الفرق بينهما أنه ليس في ذلك انحصار، لأن القاعدين المضرورين وغير أولى الضرر ليس فيه حصر بخلاف المسلم والكافر، فلا يلزم من الجواز ثم الجواز ههنا، لأنه ههنا كقولك: مررت بالرجل غير العالم. وإذا لم يستقم أن يكون صفة وجب أن يكون استثناء. وإذا وجب أن يكون استثناء فالمختار الرفع. ألا ترى أنك إذا قلت: لا يستوي القاعدون إلا أولو الضرر، كان الرفع هو الوجه، وكان النصب على الاستثناء جائزًا. وإذا ثبت ذلك كان الرفع أقوى من النصب. فإذا جاز النصب على الاستثناء مع ضعفه فلأن يجوز الرفع مع قوته أولى.
والذي يقوي ذلك أن الخفض لم يأت في السبعة لضعفه، لأنه إن جعل صفة كان ضعيفًا، وإن جعل استثناء لم يستقم لأنه يكون من قوله: {من المؤمنين} ، و (من المؤمنين) ليس في سياق النفي، فيستثنى منه على البدلية، لأنه إنما جيء به بيانًا للقاعدين لا غير. فلم يستقم أن يستثنى منه كما يستثنى من المنفي، فظهر من ذلك أن الرفع هو الوجه على الحمل على الاستثناء، كما حمل النصب على الاستثناء مع أنه أضعف، وظهر أن الخفض ضعيف، ولذلك لم يقرأ به في السبعة، فحمل الآية على ما ذكرناه هو الوجه. والله أعلم بالصواب.