قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(111)
[توجيه قراءات قوله تعالى: {وإن كلا لما ليوفينهم} ]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم} :
قرأ نافع وابن كثير: وإن كلا لما، بتخفيف إن ولما.
وقرأ حفص وابن عامر وحمزة: وإن كلا لما، بالتشديد في إن ولما. وقرأ أبو بكر: وإن كلا لما، بتخفيف الأول وتشديد الثاني. وقرأ أبو عمرو والكسائي: وإن كلا لما، بتشديد الأول وتخفيف الثاني. وهي واضحة إلا قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، فإنها مشكلة، ودونها في الإشكال قراءة أبي بكر.
أما من قرأ: وإن كلًا لما، وهي قراءة ابن كثير ونافع، فإن مخففة من الثقيلة و (كلا) منصوب بها على إحدى اللغتين في الأعمال والإلغاء، وهي لغة فصيحة. واللام هي اللام الفارقة، و (ما) زائدة، أو بمعنى الذي و (ليوفينهم) جملة في موضع خبر إن، واللام فيها لام القسم، وحسن زيادة (ما) على القول بأنها زائدة لما قصد إلى جعل (ليوفينهم) جواب قسم، فلم يحسن اجتماع اللامين: اللام الفارقة، ولام جواب القسم، فلولا (ما) لقيل. لليوفينهم، فزيدت لتفرق بينهما، أو صلة لما إن جعلنا (ما) موصولة، كأنه قيل: وإن هؤلاء الذين والله ليوفينهم ربك أعمالهم.
وأما قراءة أبي عمرو والكسائي فإن (كلا) اسم (إن) وهو واضح، والكلام في (لما ليوفينهم) كالكلام في قراءة نافع ومن معه سواء إلا التخفيف والتشديد في إن.
وأما قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وهي المشكلة، فقيل: لما مصدر من قوله: {أكلا لما} ، أي: وإن كلا جميعًا، ثم حذف التنوين إجراء للوصل مجري الوقف، وهو ضعيف، لأن استعمال لما في هذا المعنى بعيد، وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد.
وقيل: أصله: لمن ما، فأدغمت النون في الميم، فاجتمع ثلاث ميمات، فاستثقل اجتماع الأمثال، فحذفت الميم الأولى، فبقى لما، وهذا بعيد لا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، فإن حذف مثل هذه الميم استثقالًا لم يثبت في كلام ولا شعر، فكيف يحمل عليه كتاب الله.
وقيل: (لما) فعلى من اللم، ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى لما المنصرف، وهذا أبعد، إذ لا يعرف لما فعلى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال، وهو خلاف الإجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم.
ولو قيل: إن (لما) هذه هي لما الجازمة، حذف فعلها للدلالة عليه، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما، وسافرت ولما، ونحوه، وهو سائغ فصيح. فيكون المعنى: وإن كلا لما يهملوا أو لما يتركوا، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين لقوله: {فمنهم شقي وسعيد} ، ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم، ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك
أعمالهم. وما أعرف وجهًا أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيق يأبي استبعاده لذلك.
وأما قراءة أبي بكر فلها وجهان: أحدهما: الوجوه المذكورة في قراءة ابن عامر، فتكون (إن) مخففة من الثقيلة في قراءتهم. والوجه الثاني: أن تكون (إن) نافية، ويكون (كلا) منصوبًا بفعل مضمر تقديره: وإن أرى كلا، أو وإن أعلم ونحوه، و (لما) بمعنى إلا كقوله: {إن كل نفس لما عليها حافظ} ، ومن ههنا كانت أقل إشكالًا من قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجه الذي هو غير مستبعد ذلك الاستبعاد، وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعاد، ولذلك اختلف في مثل قوله:
ألا رجلًا جزاه الله خيرًا.
هل هو منصوب بفعل مقدر أو نون ضرورة؟ فاختار الخليل إضمار الفعل واختار يونس التنوين للضرورة. والله أعلم بالصواب.