قوله تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى(59)
[معنى الموعد في قوله تعالى: {قال موعدكم يوم الزينة} ]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: {قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى} :
الظاهر أن الموعد الوعد لأنه وصف بقوله: {لا نخلفه} والإخلاف إنما يتعلق بالوعد، يقال: أخلف وعده، و {إن الله لا يخلف الميعاد} ، لا بمكانه ولا بزمانه. فلو جعل زمانًا أو مكانا لوقع الإخلاف على غير الوعد وهو بعيد.
فإن قلت: لم لا يكون على حذف مضاف، كأنه قيل: فاجعل بيننا وبينك وقت وعد أو مكان وعد؟ قلت: إضمار مستغنى عنه فلا حاجة إلى
تقديره.
فإن قلت: فما المانع من أن يكون موعدكم اسما للزمان أو المكان، ويكون قوله: لا نخلفه، للموعد الذي دل عليه موعدكم؟ قلت: يرجع الضمير إلى غير المذكور، ورجوعه إلى المذكور أولى.
فإن قلت: بم ينتصب (مكانًا) ؟ قلت: ينتصب بفعل مقدر دل عليه قوله: فاجعل بيننا وبينك موعدا، أي: نتواعد مكانًا. ولا يستقيم نصبه بموعدكم، وإن كان مصدرا، لأنه قد فصل بينه وبينه بالوصف، فصار مثل قولك: أعجبني ضرب حسن زيدا، وهو غير سائغ، لأن منصوب المصدر من تتمته، ولا يوصف الشيء إلا بعد تمامه، فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته. والاحتياج إلى هذا التقدير هو الذي يحسن أن يكون (موعدا) على حذف مضاف، أي: مكان موعد، ويكون (مكانًا) بدلا من المكان المضاف المحذوف، وإنما يبقى الترجيح بين تقدير مضاف أو تقدير فعل. وأما قوله: {موعدكم يوم الزينة} . فالظاهر أنه اسم للوقت، لأنه أخبر عنه بيوم الزينة، ولا يخبر بيوم الزينة إلا عن وقت. ولا حاجة غلى أن يقدر وقت وعدكم، لأنه تقدير مستغنى عنه بأن يجعل موعدكم اسما للوقت. وقوله: {أن يحشر الناس} معطوف على الزينة على معنى: يوم الزينة، ويوم حشر الناس. و (ضحى) جائز أن يكون متعلقا بـ (يحشر) ، فيكون منصوبًا على الظرف على هذا وهو الظاهر. وجائز أن يكون بدلا من (يوم الزينة) ويكون بدل البعض من الكل، لأن ضحى اليوم بعضه، وحذف الضمير على هذا للعلم به، كما تقول: ضربت زيدا يوم الجمعة عشية، فيكون مرفوعًا.
وأما على قراءة الحسن البصري وهو ينصب (يوم الزينة) ، فيجوز أن يكون موعدكم بمعنى: وعدكم، ويوم الزينة: خبره، متعلقة محذوف، أي: حاصل يوم الزينة وحشر الناس. ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: وقت وعدكم يوم الزينة، فيكون (يوم الزينة) منصوبًا بموعد، لأنه مصدر، وضحى هو الخبر، أي: وقت وعدكم في هذا اليوم هو هذا الوقت، ولا ينبغي أن يكون موعدكم اسما للزمان، فإنه حينئذ لا يعمل في يوم الزينة، ولا يقع خبرا عنه من حيث إنهما زمانان إلا على معنى الجزئية، كما تقول: زمان ضربي يوم الجمعة، كأنه لما كان جزءه صار كأنه حاصل فيه فعلى هذا يكون (يوم الزينة) خبرا للموعد الذي هو وقت. و (ضحى) على قراءة الحسن البصري على الوجه الأول منصوب بـ (يحشر) ، وعلى الوجه الثاني يكون مرفوعًا. والله أعلم بالصواب.