فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 170

يسبي العيون ووجنةٍ تتورَّدُ [1]

ولو كان السياب إنسانًا اعتياديًا لقنع بالانزواء في إحدى زوايا المجتمع وكان نسيًا منسيًا، ولكنه شاعر يعتلي المنابر، ويتصدر المناسبات، ويتعقب الجمال، لذلك كان قبحه خنجرًا في خاصرته، وربما سمع بسبب ذلك مالا يسره لأن هيئته الخلقية كانت ناتئة في حياته إلى الحد الذي عجز عن التغاضي عنها أو التقليل من شأنها. [2] إن هذا الأمر وحده كاف لأنْ يشكل بؤرة اغتراب حاد [3] فكيف لو تضافرت معه عناصر أخرى في مقدمتها: وفاة أمه، وهوفي السادسة من عمره، [4] فيفتقد بذلك حنانًا هو أحوج مايكون إليه في حياته الأولى التي تصورها خريفًا طويل الليالي بعدها، يقول:

في ليالي الخريف الطوالْ

آه لو تعلمين

كيف يطغى عليّ الأسى والملالْ!؟

في ضلوعي ظلام القبور السجينْ

في ضلوعي يصيح الردى

بالتراب الذي كان أمي (( غدا

سوف يأتي، فلا تُقْلِقي بالنحيبْ

عالمَ الموت حيث السكون الرهيبْ )) [5]

إن الموت الذي اخترم أمه سيكون كالطير الذي يحوم فوق رأسه، يلاحقه في كل مكان، وينغص عليه حياته في كل حين، والطفل الذي افتقد أمه قبل ثلاثين عامًا يستيقط الآن في صدر الشاعر حالمًا، من فرط الوحدة والألم، بلقاء الوجه الذي غيبته السنون، متصورًا أن ذلك سيضع حدًا لآلامه، فحين يشتد عليه المرض، وييأس من الشقاء يتوسل بقبر أمه أن يفتح ذراعيه لاستقباله [6] وحين ترتخي عنه قبضة المرض، تضيء له بارقة من أمل فيخاطب أمه قائلًا:

أماه ليتكِ ترجعينْ

(1) ديوانه: قيثارة الريح 2/ 337.

(2) ينظر: بدر شاكر السياب حياته وشعره، عيسى بلاطة، ص 144، للاطلاع على أوصافه الجسدية.

(3) يقول السياب إنه: (( خلق مريضًا دون مرض، ضعيف الجسم، هزيل البنية، دميم الوجه ) ). ينظر: م. الأسبوع العربي، ع 608/ 1971، نقلًا عن الشعر العراقي الحديث مرحلة وتطور، د. جلال الخياط، ص 153.

(4) ينظر: بدر شاكر السياب حياته وشعره، عيسى بلاطة، ص 22.

(5) ديوانه، أزهار وأساطير 1/ 68.

(6) ينظر: نفسه، منزل الاقنان 1/ 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت