فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 170

شبحًا، وكيف أخاف منه وما امّحتْ رغم

السنينْ

قسماتُ وجهكِ من خيالي [1]

ومن عناصر غربته الاجتماعية موت جدته، وزواج أبيه، أما موت جدته فقد (( جعله ... وحيدًا مستوحشًا ) [2] فهي الصدر الذي احتضنه بعد رحيل أمه، وقد فقد بغيابها آخرُ مُعين له، يقول:

جدتي من أبثّ بعدكِ شكواي ... طواني الأسى وقل مُعيني

أنتِ يامَنْ فتحتِ قلبكِ بالأمسِ ... لحبي أوصدْتِ قبركِ دوني [3]

ولنلاحظ المفارقة التي أحدثتها الصدمة في نفس الشاعر: الجَدَّة التي فتحت قلبها بالأمس له، توصد باب قبرها دونه اليوم، فبين انفتاح القلب (الامتلاء) ، وانغلاق القبر (التلاشي) تمتد غربة الشاعر، وتسد عليه مسارب التنفس، أمَّا زواج أبيه بعد وفاة أمه، فقد حرمه من عطف بات أبعد من خيال أيّ امرأة يشتهيها: إنه التشبيه بالمستحيل، يقول الشاعر:

خيالك من أهلي الأقربين ... ابرّ وإن كان لا يعقلُ

أبي ... منه قد جردتني النساء ... وأمي طواها الردى والمعجلُ [4]

إنها نجوى الوحيد الذي يتآكله الحرمان، وتغزوه الغربة من جميع الجهات.

وعانت نازك الملائكة من الغربة الاجتماعية التي كانت مدخلًا لغربتها النفسية فيما بعد. ففضلًا عن الإحساس الشاعري المرهف الذي جُبلت عليه منذ صباها وكان أحد أسباب عزلتها، كان ثمة عوامل ألهمتها فكرة الاعتزال.

أولى هذه العوامل نشأتها في محيط ثقافي أسري خاص أسسه الأبوان الشاعران، استمد جذوره الأولى من جدها لأمها الذي كان (( شاعر القرن التاسع عشر ) ). [5] وقد اتخذ تأثرها بهذا الجو منحنيين: تجسد الأول في قراءاتها الأدبية

(1) نفسه، شناشيل ابنة الجلبي 1/ 616 - 617.

(2) ينظر: بدر شاكر السياب حياته وشعره، عيسى بلاطة، ص 30.

(3) ديوان: البواكير 2/ 104.

(4) نفسه، ص 151. وينظر: ديوان أزهار وأساطير 1/ 79 - 80.

(5) نازك الملائكة الموجة القلقة، ماجد أحمد السامرائي، ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت