فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 170

والشعرية، مقترنة بانعطافها نحو رموز المدرسة الرومانسية، وحين تكون الرومانسية (( حالة نفسية أكثر منها مذهبًا فنيًا ... تتدفق في إبداع الشاعر نغمًا حزينًا وفكرًا متشائمًا نتيجة المرارة والخيبة، وفي أعقاب المحن والأزمات ) [1]

أدركنا أن تعاطف نازك مع عاشقي الليل، وأصدقاء الحزن، لم يكن اعتباطيًا، أما المنحى الثاني فقد تمثل في انكبابها على قراءة التراث الفلسفي الذي قرَّبها من الألماني المتشائم (شوبنهاور) ، بل جعلها أكثر تشاؤمًا منه. [2] وكانت حصيلة هذه الثقافة المتنوعة ولادة شاعرة إنسانة تميزت عن بنات جنسها. وقد كتبت نازك عن ذلك تقول إنه كان (( بسبب إحساسي الدائم بأنني اختلف عن سائر البنات اللواتي في سني، فأنا كثيرة المطالعة، محبة للشعر والغناء، جادة، قليلة الكلام، بينما هن لا يطالعن ولا يعبأن بالفن وليس لهن من الجد في الحياة إلا يسير ) ) [3] وهكذا كان اعتزالها بنات جنسها خطوة أولى نحو اعتزالها المجتمع.

وثاني العوامل التي ألهمتها فكرة الاعتزال ما تركته في نفسها المآسي (( التي سببتها الحرب العالمية الثانية ) ) [4] والدمار الذي ألحقته بالبشرية الأمر الذي سفَّه الحياة بنظر الشاعرة، في الوقت الذي جعلها فيه تخاف الموت.

وثالث هذه العوامل رفض الشاعرة التقاليد الاجتماعية الصارمة سيّما منها تلك التي تتعلق بحرية المرأة، وتجد لهذا الرفض أصداء عميقة في نفس نازك من المرارة والألم، والتوق إلى التغيير في آن، [5] ولا يخفى أنّ عجز الشاعرة عن التغيير سيترك آثاره السلبية من الآن، في موقفها من المجتمع، والوجود.

أما العامل الرابع، وإن كان ذا تأثير ثانوي، فهو ما ترسب في نفس الصبية نازك من مشاعر الرعب بإزاء حيوان حفلت به منطقة سكنى عائلتها يومئذ مثل حيوان (البزبز) الذي أسمته (( كابوس طفولتها ) )، ومثل بنات آوى التي هاجمت ذات ليلة جارهم بعنف. [6] تلك هي العوامل التي يرى الباحث أنها ربما أسهمت في تشكيل غربة الشاعرة الاجتماعية واضطرتها إلى الاعتزال، وصولًا إلى غربة نفسية قاسية. ولعل تلك الغربة هي التي كانت وراء تأصيل موقف نازك من الليل، والوجود، والموت، والإيمان، والحب، وهي الموضوعات التي وسمتْ غربتها في

(1) شاعران أمام الموت لوركا ونازك الملائكة، الطاهر أحمد مكي، نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، ص 193.

(2) ينظر: مقدمة ديوانها مأساة الحياة وأغنية للإنسان، 1/ 6 - 7.

(3) لمحات في سيروة حياتي وثقافتي، أوراق مطبوعة على الآلة الكاتبة، ص 18.

(4) ينظر: مقدمة ديوان مأساة الحياة وأغنية للإنسان، 1/ 7.

(5) ينظر بصدد ذلك: التجزيئية في المجتمع العربي، نازك الملائكة، الصفحات 31/و 38 و 40 و 41.

(6) ينظر: لمحات من سيرة حياتي وثقافتي، نازك الملائكة، أوراق مطبوعة على الآلة الكاتبة، ص 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت