رحلتها الشعرية الأولى واستمرت بعد ذلك إلى حين، في البداية ترسمت نازك خطى بعض الشعراء الرومانسيين في الاحتماء بالليل، والهرب من النهار، مثل جبران، وأبي القاسم الشابي، وعلي محمود طه، هربًا (( من حياة الواقع الخشن التي يمثلها النهار، إلى حياة الحلم والمثال التي يمثلها الليل ) ) [1] والذي أصبح تعبيرًا دقيقًا عن ذات الشاعرة المغتربة، التي رأت في الليل مالا يراه فيه الآخرون من ضوء خفيٍ، وحب مستتر وهما، عندها، حقيقة الحياة الطاهرة التي تسعى إليها بعد أنْ تخلت عن حياة قائمة على الزيف، تقول نازك:
إنْ أكنْ عاشقة الليل فكأسي ... مُشرقٌ بالضوء والحب الوريق
وجمال الليل قد طهّر نفسي ... بالدجى والهمس والصمت العميق
أبدًا يملأ أوهامي وحسي ... بمعاني الروح والشعر الرقيق
فدعوا لي ليل أحلامي ويأسي ... ولكم أنتم تباشير الشروق [2]
ولأن الوضوح المألوف اقترن بالنهار، وهو وضوح مزيف كما تراه، فهي تتشوف إلى وضوح حقيقي هو بمثابة المحال، فللمحال جمال [3] لا يدركه إلا الذي استكْنَهَ خفاياه.
أما الوجود فكان في نظرها لغزًا محيرًا عجزت عن فهمه، وكانت موقنة أنّ السعي لفهمه عبث لا طائل وراءه فإذا كان (( سر الحياة ) )لغزًا عند (( الحكماء ) )فأولى بها أن تيأس فتستريح، [4] ولكن اغترابها عما حولها، يدفعها إلى التساؤل الملح لعلها تظفر بما يخفف من عزلتها.
أما الموت فقد كان (( واحدة من المشكلات التي قادت نازك إلى فكرة العدم في مرحلة الشباب ) ). [5] وذلك انعكاس لوعيها اليقظ ونتاج قراءتها الفلسفية، وتطلعها إلى ماهو أبعد من متناول البشر، ولذلك ظل الموت يقض مضجعها، لأنه (( اتجاه هذا العالم الذي لا يَفْهم، وهذه الحياة اليومية المضحكة، وتجاه هذا التشخيص الإيمائي الذي لن ينتهي إلا بالموت ) )، كما يقول روبير دوبليه، أقول اتجاه ذلك كله يحاول الوعي الحاد استنطاق مايخلقه من رؤى جديدة محاولًا حل
(1) رمزية الليل قراءة في شعر نازك الملائكة، د. جابر عصفور، نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، ص 513.
(2) ديوانها، عاشقة الليل 1/ 493 - 494.
(3) ينظر نفسه، قرارة الموجة 2/ 284.
(4) ينظر نفسه، مأساة الحياةوأغنية للإنسان، 1/ 21 و 23.
(5) نازك الملائكة، دراسة ومختارات، عبدالرضا علي، ص 56.