مايتصوره فيها من ألغاز لعلها تشبع نهمه في ارتياد المجهول. ولذلك فقد وقفت نازك مستوفزة ليس أمام مافي الحياة وما وراءها فحسب، ولكن أيضًا أمام مافي الموت وما وراءه من أسرار. [1] وهي نفسها تعترف بأنه لم تكن ثمّة (( كارثة أقسى من الموت ) ) [2] ولذلك أسمته (( مأساة الحياة الكبرى ) )، [3] فثمة إذن طقسان لهذا الوجود: الحياة وهي الطقس الحاضر، والموت وهو الطقس الغائب، تقول الشاعرة مخاطبةً الحياة:
أيّ قبرٍ أعددتِ لي؟ أهو كهفٌ ... ملءُ أنحائه الظلامُ الداجي؟ [4]
وكما عجزت عن فهم الحياة فقد عجزت عن فهم الموت، وهاهي تتأسى بالثاني عن الأول: تقول:
هل فهمتُ الحياة كي أفهم الموت ... وأدنو من سره المكنون
لم يزل عالم المنية لغزًا ... عزَّ خلاًّ علىفؤادي الحزين [5]
لقد كانت الحياة عند نازك اغترابًا مرحليًا، يفضي إلى الموت وهو اغتراب الأبدي وإذا كانت الحياة قاسية، فالموت أقسى، وإذا ارتضت الحياة اغترابًا مؤقتا، راغمةً، فإنها لا تستطيب الموت اغترابًا أزليًا جاهلة ماسيحمل عند أبوابه وخلف جدرانه من مخاوف تقول الشاعرة:
أيّها الموت وقفةً قبل أنْ تغري بجسمي سكونَكَ الأبديا
آه دعني أملأ عيوني من الأنوار وارحمْ فؤاديَ الشاعريا [6]
وهكذا ينبثق وعي الشاعرة في اللحظات الحاسمة فيتشبث بالحياة لا إيثارًا لها على الموت، ولكن خشية مابعد الموت بسبب الشك بما بعده.
يشير موقف نازك من الوجود، والموت، إلى أن عقلها كان ذا حيوية بالغة، حين وقف أمام الظواهر وقفةً المتأنّي، والمتطلّع العنيد، ولأن العقل الحيوي يدرك أكثر من سواه معنى التفاهة [7] فقد وقفت نازك حائرةً معذبة أمام مايحيط بالإنسان من قوى مدمرة، وظواهر مستعصية على الفهم ... وكانت مرحلة (( الإلحاد والتشكك
(1) كامو والتمرد، ص 14. ينظر: مقدمة ديوانها مأساة الحياة وأغنية للإنسان، 1/ 7.
(2) المكان نفسه.
(3) المكان نفسه.
(4) نفسه، ص 35.
(5) نفسه، ص 26.
(6) ديوانها، عاشقة الليل 1/ 505.
(7) ينظر: سقوط الحضارة، كولن ولسن، ص 93.