الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، وإذا قصد في موضع قصدًا هزليًا أو استخفافيًا وقصد تحقير شيء أو العبث به حاكى ذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء، وكذلك في كل مقصد )) . [1]
إن النظرة الصحيحة يجب أن تنطلق من كون الأوزان العربية وسائل صوتية قادرة على ترجمة العواطف والانفعالات المختلفة بما يتوافق والتجربة، وعلى هذا الأساس، فإن المحاولات النظرية التي قالت بالربط بين الوزن والموضوعات الشعرية لا تخلو من تعسف.
إن رفض تلك الآراء يتأتى من أن (( حركة الوزن حركة آنيّة لا تنفصل عن حركة المعنى أو تعقبها. إن الشاعر يفكر في مستويات التجربة وأبعادها تفكيرًا آنيًّا لا انفصام بين عناصره، وحركة خياله داخل التجربة حركة موحدة ) ). [2]
ومعنى هذا أن الوزن يكتسب صفاته وخصائصه من داخل التجربة الشعرية من خلال علاقات متفاعلة داخل القصيدة الواحدة أو النص الواحد، فثمة قصائد تنتمي إلى وزن واحد ولكنها تختلف عن بعضها بالايحاء. فالوزن (( رغم أنه صورة مجردة [فإنّه] يحمل دلالة شعورية عامة مبهمة، ويترك للكلمات بعد ذلك تحديد هذه الدلالة ) ). [3]
إذن على وفق حركة الوزن في استيعاب حالة الشاعر النفسية سنحاول المعالجة في الفقرات الآتية.
تقول نازك الملائكة:
عُدْ بنا يا قطارْ
فالظلامُ رهيبٌ هنا والسكون ثقيلْ
عُدْ بنا فالمدى شاسعٌ والطريق طويلْ
والليالي قصارْ
عُدْ بنا فالرياحُ تنوح وراء الظلالْ
وعُواء الذئاب وراء الجبالْ
كصراخ الأسى في قلوب البشرْ
عُدْ بنا فعلى المنحدرْ
(1) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، 258. ويذكر أنّ عبد اللطيف الطيب أحدُ المتحمسين لتلك الفكرة، ينظر: المرشد إلى فهم أشعار العرب 72:1، وينظر: النقد الأدبي، أحمد أمين، 87:1 وما بعدها.
(2) مفهوم الشعر، د. جابر عصفور، 264.
(3) التفسير النفسي للأدب، د. عز الدين اسماعيل، 51.