صوتية بمعنى أنه استطاع المحاولة للخروج على الرتابة الآسرة الناتجة من غربة النفي.
ويستغل السياب البحر (المتقارب) لتمثيل تجربته الاغترابية المدينية. يقول في قصيدة (جيكور والمدينة) :
وتلتف حوليُّ دروب المدينةْ
حبالًا من الطين يمضغْن قلبي
ويعطينَ -عن جمرة فيه- طينهْ
حبالًا من النار يجلدْن عريَ الحقول الحزينةْ
ويحرقنْ جيكور في قاع روحي
ويزرعْن فيها رمادَ الضغينةْ
دروبٌ تقول الأساطير عنها
على موقدٍ نام: ماعاد منها
ولا عاد من ضفة الموت سارِ
كأن الصدى والسكينة
جناحا أبي الهول فيها، جناحان من صخرةٍ في ثراها دفينةْ
فمن يفجر الماء منها عيونًا لتبني. قرانا عليها؟
ومن يرجع اللَّهَ يومًا إليها؟ [1]
النص التفات إلى الداخل لبثّ حالة انفصام العلاقة بين السياب وبين المدينة. والعلاقة علاقة مقت تنزف من روح مغتربة، تنهجَ نهجًا مسدودًا لانكفاء الذات على نفسها بسبب انعدام التوافق فهو لايملك القدرة على خرق السور، كما أنه غير قادر على بعث الحياة من جديد ومادامت الحالة هي تلك، فلابد من استيعابٍ إيقاعيّ يلمّ الأطراف من دائرة واحدة، فكان هذا (النضح) الذي يضخّ_ دمًا متحولًا إلى حبر ... هذا هو النص. إن الارتكاز على (المتقارب) : فعولنْ، يعني الضغط على النواة (فعو) ، وهذا الضغط يتولّد في بداية التفعيلة. ومن شأن البداية أن تجهر بالدرجة التوقيعية، غير أنّ السياب استطاع أن يضفر الصورة والوزن فجاء النص مخترقًا الجهر ليستقر هادئًا منسجمًا مع الخطاب الشعري الذي بدا حوارًا هامسًا مع النفس التي تتضادّ مع المدينة.
(1) ديوانه: أنشودة المطر، 1/ 414 - 415.