فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 170

بها بسبب استفحال مرضه وتفاقم يأسه من الشفاء أي -بتعبير آخر- أن استشراء حالة الاغتراب المركب الذي أخذ بخناق الشاعر كان وراء تناوب الشكلين في القصيدة الواحدة، وهل ثمة اغتراب مكاني، وروحي، أدهى وأشد من ذلك الذي عاشه السياب لاسيما في أيامه الأخيرة، في ضوء هذا الرأي سأحاول أن أجتهد في قراءة قصيدة (( ليلى ) ).

يتّكئ السياب في قصيدة (( ليلى ) )على أبيات من الموروث الشعري بطريقة الاقتباس المباشر. وقصيدة (( ليلى ) )تتشكل من أربعة مقاطع كتبت بطريقة (( التناوب ) )اثنان منهما تنتميان إلى شعر البيت واثنان إلى شعر التفعيلة. قوام المقطع الأول ثمانية أبيات يستهلها الشاعر بمخاطبة صاحبه:

قرِّبْ بعينيْكَ مني دون إغضاء ... وخلّني أتملّى طيف أهوائي

أبصرتَها؟ كادت الدنيا تفجّر بي ... عينيك دنيا شموس ذات آلاء

أبصرت ليلى فلبنان الشموخُ على ... عينيك يضحك أزهارًا لأضواء [1]

أبيات تذكرنا بالشاعر الجاهلي وهو يخاطب خليله، أو صاحبه، وفيها يسأل الشاعر صاحبه إن كان قد رأى (( ليلى ) )في لبنان. الجو تراثي بما فيه اسم ليلى الذي نستحضر من خلاله (( الليلات ) )العاشقات، وقد زاد السياب في شحناته التراثية بمفردة (( بؤبؤيك ) )التي أصبحت (( محور الثقل ) ) [2] في المقطع:

إني سألثمها في بُؤْبُؤْيك كمنْ ... يقبِّل القمر الفضي في الماء

ليلى! هوايَ الذي راح الزمان به ... وكاد يفلت من كفيَّ بالداء

حنانها كحنان الأم دثّرني ... فأذهَبَ الداءَ عن قلبي وأعضائي [3]

لقد أراد الشاعر أن تكون زفراته (( عمودية ) )مثل أبياته وقد أثراها البحر البسيط بموسيقى غزيرة تجود (( في كل ما له صلة بالشجن ) ) [4] . ويفاجئنا الشاعر بانتقالةٍ إلى شعر التفعيلة في المقطع الثاني وتلك هي المفارقة الأولى. أما المفارقة الثانية فهي تغيّر الوزن من البسيط إلى الكامل:

روحي الاعزّ عليَّ من روحي وآمالي وعمري

(1) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 720.

(2) واقع القصيدة العربية، د. محمد أحمد، ص 149.

(3) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي،/ 1 - 720 - 721.

(4) دراسات في النص الشعري، د. عبده بدوي، ص 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت