حملتْ ضفيرتها هواي كأنها أمواج نهرِ
حملته نحو مدى السماءْ
نحو المجرّة والنجوم ونحو جيكور الجميلةْ [1]
هنا ينقلنا الشاعر من الصحراء التي طافت بأذهاننا في المقطع السابق، إلى جيكور الجميلة. وقد لعب (( الكامل ) )دورًا في إذكاء الحزن، وتأجيج الشجن لأنه مناسب للتجارب ذات الحس الحزين القاتم [2] ويرسم الشاعر في المقطع صورة له وهو في جيكور فتى يتصيّد الأحلام تحيطه (( الفراشات الخضيلة ) )كما يتصيد الأشعار والقوافي والغناء. وقد حاول الشاعر إقامة نوع من التوازن بين الصحراء رمز الحياة المنصرمة، وبين جيكور رمز الحياة الحاضرة وتخفيفًا لما يشعر به من غربة جسدية وروحية تتوزع بين الماضي الحزين والحاضر الحزين فيما يقف الشاعر حيالها راضيًا قانعًا أو هكذا يخيل إليه. ولنلاحظ أن آخر سطر في المقطع الثاني هو:
وهنا نبني خيمتين من التأسي [3]
ومن هذا التمني ينتقل إلى المقطع الثالث وهي أبيات لشوقي يستعيرها دونما تغيير أو تحوير تبدأ بهذا البيت:
ليلى منادٍ دعا ليلى فخفَّ له ... نشوان من جنبات الصدر عربيدُ
إن اقتباس هذه الأبيات يدل على إعجاب الشاعر بها أولًا، كما (قد) يوحي لنا بأنه عجز عن التعبير الدقيق عن تجربته الشعورية ورأى في أبيات شوقي ما يستكمل بها آفاق تجربته، على أن جوّ هذا المقطع يعيدنا إلى جو المقطع الأول العابق بذكر الصحراء، والتراث والحب العربي. وفي المقطع الأخير يستعيد الشاعر مرة أخرى شعر التفعيلة ليقدم لنا صورة متقابلة: فثمة صورة للعاشقين وقد قطعا الصحراء متعانقين يهمس الرمل تحت أرجلهما تقابلها صورة -لعلها لجيكور- وقد نام النخيل الموجوع بها بينما يتعالى من بعيد نباح كلاب. ولأن الشاعر ظامئ للحب. والحلم الجميل فقد اختلق آخر صورة لصحراء تفجّر منها الماء:
وتكركر الصحراء عن ماء وراء فم الصخورْ
(1) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 721.
(2) ينظر: الشعر الحر في العراق، يوسف الصائغ، ص 140.
(3) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 722.