فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 170

فأظل بالكفين أسقيك المياه فترتوينْ [1]

وهكذا تكون القصيدة المزدوجة -في جانبيها الموضوعي والفني- إشباعًا لانفعال اغترابي عاشه السياب بخاصة، بسبب المرض الذي أقعده وعزله عن العالم، وأشعره بالعجز، وقرّبه من الموت. فالشكل القديم من القصيدة ملاذ يحتمي به الشاعر من حاضره المغترب، الموجوع، يصله، من ناحية، بالشاعر العربي القديم، ووقوفه على أطلال الأحبة، مخاطبًا خليله، متنقلًا على ظهر ناقته أو فرسه من مكان إلى آخر، متمتعًا بفحولته وفتوته. وهو، من ناحية أخرى، يعيده إلى شبابه حيث العافية، وصحة النفس، وعنفوان الرجولة.

خاتمة البحث

عاش الشعراء الرواد الأربعة أنواعًا من الاغتراب بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة يومئذ. فقد كتب عليهم أن يواجهوا تحديًا سياسيًا فرضته المؤسسة السياسية القائمة، إذ ربطت العراق بعجلة الغرب الاستعماري، وفرطت بالثروات الوطنية، وصادرت الحريات الشخصية والعامة. كما واجهوا تحديًا اجتماعيًا مثله جمود المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، واستخذاء أمام قيم الطبقات المتنفذة، وبحكم موقع الشاعر في مجتمعه، فقد اضطلع الشعراء الرواد برسالتهم في حركة التغيير الاجتماعي والسياسي المنشود، إبان أربعينيات هذا القرن والسنين التي تلتها، الأمر الذي انعكس عليهم بصورة خيبات متلاحقة من النكوص والإحباط وهكذا كتب عليهم أن يعيشوا الاغتراب الاجتماعي مدخلًا لاغتراباتهم اللاحقة.

ولاشك في أن العزلة من طبائع الذات الإنسانية لاسيما الذات الشاعرة، والفنانة، على أن هذه العزلة نسبية، ولكنها قابلة للنمو والتضخم في الظروف التي تشكل قيدًا على حرية الفنان، وحاجزًا أمام انطلاق فكره، واندياح إبداعه، كتلك التي نشأ في ظلها الشعراء الرواد. ولهذا اندفع هؤلاء نحو الحب، والعمل السياسي، لكي يتجاوزوا عزلتهم النسبية، ولكن إخفاقهم في هذا وذاك، أسلمهم إلى الاغتراب العاطفي، والسياسي، والمكاني، وصولًا إلى الاغتراب الروحي الذي يعني الاغتراب المركب.

ولكي لايتحول الاغتراب إلى جحيم لايطاق، فقد سعي الشعراء الرواد إلى تجاوزه، أو التخفيف من آثاره في أقل تقدير، من خلال منهج تعويضي تمثل في

(1) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 723.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت