فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 170

ردود مشتركة هي العودة إلى الطفولة، واستعادة الماضي، وبناء المدن الحلمية، وفي صيغ أخرى خاصة: هي التشبث بالحياة عند السياب، واستعادة الإيمان عند نازك، والتحول من الثوري المنتمي إلى الثوري اللامنتمي عند البياتي، وامتهان المجون والتشرد عند بلند.

أما السياب فقد كان لمرضه الأثر الكبير في استمرار اغترابه وصولًا إلى الاغتراب الروحي الذي حاول مقاومته، لولا الموت. وأما نازك فقد اقترن اغترابها الاجتماعي الحاد نسبيًا باغتراب عاطفي حاد هو الآخر، واقترن الاثنان بنزوع جامح نحو مثل أعلى غير موجود، ولذلك استسلمت لاغتراب روحي مطلق، لم تملك أمامه سوى الانكفاء على الذات واعتزال العالم. وأما البياتي فقد اختار المنفى خارج الوطن، واستطاع من خلال تطلعه إلى المجد الشعري، ومحاولاته الفنية التجديدية، وطول فترة أقامته، أن يعادل اغترابه بما يساويه -وربما يتجاوزه- من المنجز الفني، والمجد الشخصي. وهكذا جعل من اغترابه المكاني- وربما من اغترابه النفسي- حالة اعتيادية، لا اغترابًا- وهو مايفسر بقاءه خارج العراق بعد زوال أسباب هجرته. وأما بلند الحيدري فقد كان اغترابه الاجتماعي حادًا نسبيًا- شأن نازك- بسبب ظروفه الخاصة، وسرعان ما أسلمه إحباطه السياسي، وحرمانه العاطفي إلى اغتراب روحي حاد نسبيًا هو الآخرة أسلمه بدوره إلى المنفى الاختياري، حيث شهد نهايته شاعرًا، ممتهنًا العمل الصحفي ضمن مؤسسات تدين بفكر حاربه الشاعر في شبابه، وربما كان في ذلك، مايساوي اغترابه بل مايتفوق عليه في القوة، وبذلك لم يعد اغترابه اغترابًا، وإنما أصبح حياة اعتيادية يعيشها الشاعر.

في كل شاعر مغترب: تلك هي الحقيقة التي يؤمن بها الباحث، ويبقى اعتزال المجتمع، أوالاندماج به، أو علاقة البين بين شأنًا خاصًا، وربما سرًا خاصًا من أسرار الشاعر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت