فالموقف من المدينة يكاد أن يكون صدى للموقف من المجتمع.
فالسياب شاب ريفي نازح من قرية صغيرة ودخل المدينة وهو يعاني من الغربة الاجتماعية، فلا عجب إذا نفر من بغداد مثلًا (( لأنها عجزت أن تمحو صورة جيكور أو تطمسها في نفسه ) ) [1] ، كما يقول إحسان عباس فقد خذلته عاطفيًا وسياسيًا، يقول:
وتلتف حولي دروب المدينةْ
حبالًا من الطين يمضغْن قلبي
حبالًا من النار يجلدْن عُريَ الحقول الحزينةْ [2]
فقد قتلت المدينة في نفسه صورة جيكور وبراءتها وطهرها، في الوقت الذي كان يرجو فيه أن تُداوي جراحه، وتحقّق أحلامه. من أسباب نفور السياب من المدينة: إنها بخيلة لا تجود كما تجود القرى سخاء، ونقاء، وحبًا، يقول:
مدينتنا تؤرق ليلها نار بلا لهبِ
سحائبُ مرعدات مبرقات دون أمطارِ [3]
ومن تلك الأسباب: قسوة المدينة، التي تجسدت في توسعها على حساب الموتى من أجل إشباع نهم أربابها الطبقيين الذين يمارسون الاستغلال ابتغاء الحصول على حفنة من النقود لا تساوي عظام الموتى البالية، يقول الشاعر:
وأوقدت المدينة نارها في ظلّةِ الموتِ
تقلّع أعينَ الأموات ثم تدسُّ في الحفرِ
بذورَ شقائق النعمان، تزرع حبة الصمتِ
لتشعر بالرنين من النقود وضجّة السفرِ [4]
وهناك القهر السياسي الذي ارتبط بالمدينة ونال منه السياب المطاردة، والسجنَ، والتشردَ، يقول الشاعر:
.سر بروس في الدروبْ
في بابل الحزينة المهدّمةْ
(1) اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 118.
(2) ديوانه، أنشودة المطر، 1/ 414.
(3) نفسه، 1/ 486 - 487.
(4) ديوانه، المعبد الغريق 1/ 133.