ويملأ الفضاء زمزمةْ [1]
فـ (( سر بروس ) )رمز الطغيان السياسي الذي انتصب في المدينة جبّارًا يشيد السجون والملاهي والبارات والمباغي، [2] تلك الرموز التي كرهها الشاعر واقترنت عنده بابتلاع الإنسان، واغتيال آدميّته. وثمة داع آخر يسميه الباحث بالاقتصادي فقد عانى السياب من الفقر، في الوقت الذي تمتع فيه نفر جاهل بالثروات الهائلة، ولما كانت المدينة مقرّ المال فقد ارتبطت عنده بالطغيان الاقتصادي.
يقول:
وبين الضحى وانتصاف النهارْ
إذا سبحّتْ باسم ربّ المدينةْ
رحى معدن في أكفِّ التجارْ
لها ما لأسماك جيكور من لمعةٍ واسمها من
معانٍ كثار [3]
ولا يخفى أنّ ذلك يمثّل موقفه حيال الظلم الطبقي الذي ابتنى رفاهه وسعادته من عرق الآخرين، وثمة داع آخر يسميه الباحث بالعاطفي لأنه يتصل بتجارب السياب الغرامية التي خرج فيها بِخُفّيْ حنين. فالقراءة النفسية لبعض نصوص الشاعر قد تعين على فهمها فهمًا صحيحًا، واستخراج المعنى الذي واراه الشاعر: فلنقرأ له في قصيدة (( أم البروم ) ):
فأين زوارق العشاق من سيارةٍ تعدو
ببنتِ هوىً؟ وأين موائد الخمّار، من سهلٍ
يمدّ موائد القمرِ
على أمواتك المتناثرين بكل مُنحدرِ [4]
إن المعنى المباشر الذي ينطوي عليه النص هو تعلق الشاعر بالقرية، ومقارنتها بالمدينة بدليل الأبيات التي سبقته:
صدى من غمغمات الريف حول مواقد السحرِ .... الخ [5]
(1) ديوانه: أنشودة المطر 1/ 482.
(2) ينظر: نفسه 1/ 416 - 417.
(3) نفسه، 1/ 415.
(4) ديوانه، المعبد الغريق، 1/ 134.
(5) المكان نفسه.