فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 170

ولكنّ السياق يستدعي تفسيرًا نفسيًا: فلا يعقل أن يكره السياب (( السيارة ) )ولا يبدو منطقيًا أنْ يكره موائد الخمر وهو الذي عرف بمعاقرتها. إن معنى آخر يكمن في النص، والرجوع إلى قصيدة (( أحبيني ) )ربما سيكشفه. ففي هذه القصيدة التي يستعرض فيها الشاعر أو ضاع حبيباته، يستوقفنا قوله:

وتلك كأنّ في غمازيتها يفتح السحرُ

عيونَ الفل واللبلاب، عافتْني إلى قصر وسيّارةْ

إلى زوج تغيَّرَ منه حال [1]

إن هذه السيارة التي كانت سببًا في احتياز حبيبته من قبل غيره أصبحت رمزًا بغيضًا لديه يفصح عنه كلما أسعفه لا وعيه، وكما ارتبطت السيارة عنده بذكرى حزينة، كذلك ارتبطت موائد الخمر بذكرى حزينة أخرى.

ففي القصيدة نفسها نقرأ:

وتلك وزوجها عَبَدَا مظاهر ليلُها سهرُ

وخمرٌ أو قمارٌ ثم يُوصدُ صبحها الإغفاءْ [2]

الرمز الأسود ينتقل من السيارة إلى موائد الخمر فقد انساقت حبيبته (( سلوى ) )وراء زوج ساقها هو الآخر إلى ماكانت تشتهي ويروق لها، السهر وموائد الخمر، وكذلك كان وعي الشاعر الباطن هو الذي يتحدث وهو يشاهد ماتفعله ظواهر المدينة الحضارية من هدم لقبور الموتى، وتدنيس لحرمة الموت، وما تثيره من ذكريات مريرة في نفسه.

وهناك داعٍ آخر بالإمكان تسميته بالنفسي: فهو موقف من بعض مظاهر الحضارة التي تعيشها المدينة. فالمدينة خصمه: عاش فيها خيباته العاطفية، وهزائمه السياسية، وقدتراكم في نفسه منها مايعبّر عنه أحيانًا بالرجوع إلى القرية الوادعة، البسيطة، التي لم يغزُها بعدُ هذه المظاهر/الجراثيم. ففي قصيدة (( جيكور والمدينة ) )يقرن الشاعر وجود السجن والمبغى بوجود الكهرباء:

وفي كل مستشفيات المجانين

في كل مبغى لعشتار

يطلقنْ أزهارَهُنّ الهجينة

مصابيح لم يُسْرِج الزيتُ فيها، وتمسسْه نار [3]

(1) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي 1/ 641 - 641.

(2) نفسه، 1/ 641.

(3) ديوانه، أنشودة المطر، 1/ 417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت