فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 170

فالشاعر ينكر على هذه المصابيح أنها لا تشتعل بواسطة الزيت، فكأن الشاعر قارن بينها -لا واعيًا- وبين الكوكب الدريّ الذي (( يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) ) [1] فربما رأى الشاعر في الكهرباء، وهي أيضًا أحد رموز المدينة -تحدّيًا لخالق الكون، فهذا الرمز الآلي لا يضيء المصابيح دون زيت فحسب وإنما لأنه يميت البشر أيضًا، فهذه (( لاة ) )أم تموز تنعي ولدها الذي صعقته الكهرباء:

وترسل النواح: (( ياسنابل القمرْ

دم ابنيَ الزجاج في عروقه انفجرْ

فكهرباء دارنا أصابت الحجرْ

وصكّه الجدار، خضّه، رماه لمحة البصرْ

أراد أنْ يُنير، أنْ يبدّد الظلام، فاندحرْ [2]

وقد يتمادى السياب في مناوءة (( الحضارة ) )المدمرة، فيرفع عقيرته ضد القطار أيضًا هو الآخر من رموز المدينة الظالمة:

ترفع بالنواح صوتها كما تنهّد الشجرْ

تقول: (( ياقطارُ، ياقدرْ

قتلتَ -إذْ قتلتَهُ- الربيعَ والمطرْ )) [3]

فالقطار، مثل الكهرباء، قاتل، قتل الربيع والمطر رمزيْ الحياة، والخصب والوجود.

لقد كانت المدينة على وفق الأسباب التي ذكرناها عنصرًا قاهرًا، معتديًا، مسخ الإنسان، وعبث بمصيره من أجل غايات دنيئة:

لتشعر بالرنين من النقود وضجة السفر

وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها

وعصّرت الرنين من النهود بكل أيديها

تمزّقهنّ بالعجلات والرقصات والزُمُرِ

وتركلهن كالأُكَرِ [4]

(1) القرآن الكريم، سورة النور، الآية 35.

(2) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 418.

(3) نفسه، 1/ 418.

(4) ديوانه، المعبد الغريق، 1/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت