فالشاعر ينكر على هذه المصابيح أنها لا تشتعل بواسطة الزيت، فكأن الشاعر قارن بينها -لا واعيًا- وبين الكوكب الدريّ الذي (( يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) ) [1] فربما رأى الشاعر في الكهرباء، وهي أيضًا أحد رموز المدينة -تحدّيًا لخالق الكون، فهذا الرمز الآلي لا يضيء المصابيح دون زيت فحسب وإنما لأنه يميت البشر أيضًا، فهذه (( لاة ) )أم تموز تنعي ولدها الذي صعقته الكهرباء:
وترسل النواح: (( ياسنابل القمرْ
دم ابنيَ الزجاج في عروقه انفجرْ
فكهرباء دارنا أصابت الحجرْ
وصكّه الجدار، خضّه، رماه لمحة البصرْ
أراد أنْ يُنير، أنْ يبدّد الظلام، فاندحرْ [2]
وقد يتمادى السياب في مناوءة (( الحضارة ) )المدمرة، فيرفع عقيرته ضد القطار أيضًا هو الآخر من رموز المدينة الظالمة:
ترفع بالنواح صوتها كما تنهّد الشجرْ
تقول: (( ياقطارُ، ياقدرْ
قتلتَ -إذْ قتلتَهُ- الربيعَ والمطرْ )) [3]
فالقطار، مثل الكهرباء، قاتل، قتل الربيع والمطر رمزيْ الحياة، والخصب والوجود.
لقد كانت المدينة على وفق الأسباب التي ذكرناها عنصرًا قاهرًا، معتديًا، مسخ الإنسان، وعبث بمصيره من أجل غايات دنيئة:
لتشعر بالرنين من النقود وضجة السفر
وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها
وعصّرت الرنين من النهود بكل أيديها
تمزّقهنّ بالعجلات والرقصات والزُمُرِ
وتركلهن كالأُكَرِ [4]
(1) القرآن الكريم، سورة النور، الآية 35.
(2) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 418.
(3) نفسه، 1/ 418.
(4) ديوانه، المعبد الغريق، 1/ 133.