فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 170

ولقد كان السياب منسجمًا مع نوازعه ومبادئه حين وقف ذلك الموقف من المدينة لأن صدمته فيها (( حادة ومزمنة ) ) [1] كما يقول إحسان عباس ولكنها ليست (( مبهمة ) ) [2] كما يرى، لأن تلك الصدمة لم تنشأ في المدينة وإنما نشأت بصورة اغتراب اجتماعي - كما قدم الباحث - في جيكور، وقد زادتها المدينة حدة وتعقيدًا بسبب مآسي الشاعر الوجدانية والسياسية التي عرضها البحث.

أما البياتي فهو ابن المدينة، ففي (( باب الشيخ ) )نشأ وترعرع، يقول الشاعر:

حبٌّ من باب الشيخ ورائي

يمتد كخيطٍ مسحورْ

أمسكه فأرى بيتًا يغرق بالنورْ

أتطلّعُ نحو الباب المغلقِ

في عينيْ طفلٍ مبهور [3]

وكان من المفترض أن تنشأ ألفة بين الشاعر وبين المدينة ولكن ظرف اغترابه السياسي والاجتماعي ألهمته مواقف صنفها الباحث في مرحلتين:

ففي المرحلة الأولى تشي النصوص الشعرية بتعاطف مع المدينة ضد رموز العسف والقهر التي تربعت فيها، وبالإمكان استشفاف موقفين: اجتماعي وسياسي أما الاجتماعي فينبثق من كون استيطان الوحش -رمز الاستغلال- المدينة، والذي امتهن مصادرة ما تغله الحقول، تاركًا الفقراء ينتظرون موتهم باستسلام القانع، يقول الشاعر:

ها هنا عالم يجوع لتلهو في مقادير عيشه طاحونةْ

باعت الأرض روحَها -وتأبّتْ أنْ تعي بؤسها -لوحش المدينةْ [4]

ويندرج ضمن الموقف الاجتماعي، اقتران المدينة بالسل، والخوف، والجريمة، وهي نتائج حتمية لطبيعة المؤسسة السياسية آنذاك التي تركت الشعب بين مخالب الفقر، والجهل، والمرض، وربما أوحى كل ذلك للشاعر أن يقول عن المدينة إنها (( مدينة مزيفة ) [5] يقول الشاعر في ذلك:

(1) اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 117.

(2) المكان نفسه.

(3) ديوانه، بستان عائشة، ص 69.

(4) ديوانه، أباريق مهمشة، 1/ 174 - 175.

(5) تجربتي الشخصية، 2/ 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت