في ليالي الموت والخلق، وفي الأعماقِ
أعماق المدينةْ
لم تزل كالهرة السوداء، كالأم الحزينةْ
تلد الأحياء، في صمتٍ، وأعماقُ المدينةْ
تبصق الموتى، على الأرصفةِ الغُبْرِ السخينةْ [1]
ويتجسد الموقف السياسي في كون المدينة إحدى ضحايا السلطة القائمة، ولذلك اتسم موقف الشاعر بالتعاطف مع المدينة ضد (( النار ) )التي التهمت الأخضر واليابس فيها، ضد الحاكم الذي أشعل المدينة بمن فيها وما فيها، يقول الشاعر:
ومرت السنونْ
لكنني أفقت يا أميرتي
من غمرة الجنونْ
ولم أعدْ أجتاز في رأد الضحى
طريقَنا الواغل في مجاهل الظنونْ
فالنار في مدينتي امتدت إلى حدائق الليموْن [2]
وبسبب ذلك يعلن الشاعر إدانته لمن استباح مدينته، واعتدى على حرماتها، فهي الآن غريبة مثله، تقاسي من العسف، وتعاني من السأم، والخوف، يقول:
مدينتي استباحها الغجرْ
مدينتي أهلكها الضجرْ
مدينتي، القمرْ
يخاف من بيوتها المنفوخة البطونْ
يخاف من عيونْ
حاكِمها الشرّير [3]
ولكن البياتي لم يُعدم الموقف القاسي على المدينة حين تكون رمزًا للقهر السياسي والموت، ففي قصيدته (( خيبت مين ) )يتحدث على لسان جندي فرنسي عن باريس (( حيث البغايا الشقر، والعتمات، والمتسولون، وضريح ميرابو وروسبير
(1) ديوانه: يوميات سياسي محترف، 1/ 428.
(2) ديوانه، أشعار في المنفى، 1/ 410 - 411.
(3) ديوانه، المجد للأطفال والزيتون، 1/ 303.