فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 170

ومع ما يراه من مظاهر الحمل الكاذب فإن الأمل يحدوه في أن يعود إلى مدينته وهي:

مثقلة ببشائر صبحْ

بالبرء المتململ خلف الجرْح [1]

بذلك يعبر بلند عن عمق اغترابه فيرفض المدينة ويدين زيفها، ولكنه إلى جانب ذلك يحاول استعادة توازنه، في مواجهة إحباطاته وعذاباته، فينسلخ عن حلقه، ويطفئ غيضه من خلال التطلع إلى المدينة، والائتلاف معها، وبذلك فإن الباحث لا يتفق مع الرأي القائل أن بلند يمثل (( قمة النفور من كل ما يسمى مدينة ) ) [2] فربما انسحب هذا الرأي على مرحلة الشاعر الأولى كما تقدم في البحث

تعاني نازك الملائكة في بعض الأحيان من صخب المدينة فتتمنى أن لو كان لها منتجع في قرية، أو كوخ بين الحقول، تقول الشاعرة:

آه لو كان لي هنالك كوخ شاعريٌّ بين المروج الحزينةْ

في سكون القرى ووحشتها أقضي حياتي لا في ضجيج المدينةْ [3]

وربما استبدلت القرية، حينا، بالجبال، تقول:

ليتني من بنات تلك الجبال الفنّ حيث الجمال في كلِّ ركن [4]

إن انطواء نازك، وكرهها للضوضاء، ومقتها لزيف المدينة، ألهمها الرغبة في اعتزال المدينة، والالتجاء إلى القرية أو إلى الجبل، على أن استفحال غربتها النفسية بعد ذلك ربما كان وراء تجاوزها (( غربة المكان ) ) [5] ولكن ليس بشكل مطلق، فقد شعرت بالغربة المكانية (( في جبال الشمال ) )، فربما رأت هناك ما أشعرها بالخوف، وأثار فيها ذكريات أليمة، أو ربما كان ارتيادها الجبال فرارًا من وحشة قاسية حاولت تخفيفها، فإذا بها تلقى مالا تتوقعه من الوحشة المضاعفة تقول الشاعرة:

شبح الغربة القاتلةْ

(1) المكان نفسه.

(2) اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د. إحسان عباس، ص 117.

(3) ديوانها، مأساة الحياة وأغنية للإنسان، 1/ 151.

(4) نفسه، 155.

(5) ينظر: نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، تجربة الاغتراب عند نازك الملائكة، عبد الله أحمد المهنا، ص 471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت