أنها غريبة مثله، تذرف جراحها تحت مدية النظام السياسي القائم آنذاك، كما تنزف جراحه في اغترابه، يقول بلند:
أعرف يا مدينتي
كم من جراح ثرّةٍ ... مريرةً
تنزف تحت الأجنح الكسيرةْ
لكنني أعرف يا مدينتي
ماذا وراء بيتنا الكئيبْ
ماذا وراء صمته الرهيبْ
أي غد يلمع في الدروبْ [1]
ولذلك يعلن عن حنينه إليها، فأقصى حلمه أن يعود، يفتح شباك داره، ويفك اختناقه الذي تعاظم في ذاته وهو بعيد عنها، يقول:
احلم يا مدينتي بالرجوعْ
لدارنا المطفأة الشموعْ
فأوقظ المصباحْ
وأفتح الشباك للرياحْ
وأترك المفتاح خلف البابِ
للصوصِ
للزوارِ
للوعودْ [2]
إن صخرة الغربة المكانية -خارج وطنه- تجثم على صدره، ولذلك حاول أن يزحزحها عن أنفاسه، فيحلم أنه فتح نافذته، واستنشق هواء العودة لذاته ولوطنه معًا، ولكنه حين يصحو على واقعه، يتحسس جراحاته الناتئة في أعماقه ليرى أن ما تصوره حملًا كان كاذبًا، يقول:
امرأة تحبل في الحي ولا تلدُ
تكبر في الوهم ولا تعدُ [3]
(1) ديوانه، خطوات في الغربة، 80 - 81.
(2) ديوانه، رحلة الحروف الصفر، 32 - 33.
(3) ديوانه، رحلة الحارس المتعب، ص 89.