فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 170

غضب الشاعر، على المدينة: رمز المؤسسة السياسية، ويعلو صوته لإحداث التغيير الثوري: دون جدوى.

أما بلند الحيدري الذي بالغ في اعتزال المجتمع، فقد انعكس موقفه من المجتمع على موقفه في المدينة، في مرحلته الاغترابية الأولى. فلم يزل شابًا، داهمته الغربة الاجتماعية، حين دخل المدينة حذرًا، من مجهول يخشاه، فدروب المدينة كما رآها أفعى ولكنه -مع ذلك- لم يتردد من ارتيادها [1] على الرغم مما عرف من زيفها وهجنتها، يقول:

ماذا سأفعل في المدينةْ؟

وسألتني:

ستضيع خطوتك الغبية في شوارعها الكبيرةْ

ولسوف تسحقك الأزقّات الضريرةْ

ولسوف ينمو الليل في أعماقك الصماء

آمالًا حزينةْ [2]

وكان عليه على وفق هذه الرؤيا السوداوية أن يعود إلى قريته ولكن قريته أصبحت مدينة هي الأخرى، يقول:

فلمن أعود؟

لقريتي

أو للشتاء يحزّ أرصفة المحطة

لا لن أعود ...

لمن أعود وقريتي أمست مدينةْ [3]

لقد كان غريبًا في قريته، ولم يكن أمامه غير خيار الارتحال إلى المدينة وكأنه كان يتداوى من الرمضاء بالنار .. أما في منفاه الاختياري فقد اختفى الرفض من نصه الشعري، وحل محله التعاطف مع المدينة التي فارقها راغمًا، فربما وجد

(1) ينظر: ديوانه، أغاني المدينة الميتة، ص 26 - 27.

(2) نفسه، ص 96 - 97.

(3) نفسه، ص 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت