المحيط به إلى عالم من صنع نفسه )) . [1] ويرى الباحث أن هذا الاغتراب هو نتاج تراكم عدة أنواع اغترابية كالاجتماعي والعاطفي وسواهما، إذ أن تعاقب الإخفاقات والإحباطات تؤدي بالإنسان إلى اعتزال واقعه اعتزالًا كليًا أو شبه كلي، وسعيه إلى بلوغ واقع آخر لا وجود له إلا في تصوره. وهذا الاغتراب أشبه ما يكون بغربة الهمة لدى العازف التي أطلق عليها الهروي الأنصاري اسم (( غربة الغربة ) ) [2] .
فقد عانت نازك الملائكة من الاغتراب الروحي بعد أن اعتزلت المجتمع (الاغتراب الاجتماعي) ، وأخفقت في تجربتها العاطفية (الاغتراب العاطفي) ، فعشقت الليل، وزهدت في الحياة، واهتز إيمانها، وها هي الآن تبحث عن المُثُل العليا، بعد أنْ رأت الحياة جدرانًا صلدة من الزيف، والتفاهة، فتحاول أن تخترقها إلى بؤرة من الإشعاع القدسي، لتنعم بالنقاء، والسمو، وتعانق روحها ذلك الصفاء السرمدي الخالد، حتى إذا أجهدها البحث صاحت:
وعفت طموحي وبحثي الطويلْ
عن الخير، والحب، والمُثُل العاليةْ
وحَقّرْتُ سعيي إلى عالمٍ مستحيلْ [3]
وإذ يتفاعل في نفسها الإحساس بالغربة مع يأسها من بلوغ عالمها المثالي، تتملكها الحيرة، فتستدير نحو ذاتها متساءلة متشككة:
تعذبني حيرتي في الوجود ... وأصرخ من ألمي: من أنا [4]
وهذا السؤال الفلسفي هو وليد الإحساس بالضياع ولكنه في الوقت نفسه نتاج تضخم الذات التي انسلخت بنقائها عن الطقس الفاسد الملوث، تقول الشاعرة:
الليل يسأل من أنا:
أنا سرُّه القلق العميق الأسودُ
أنا صمته المتمرّدُ [5]
وتستطرد في سلسلة من الصور الميتافيزيقية فهي مثل الليل (( جبارة ) )تطوي
(1) نازك الملائكة دراسة في الشعر والشاعرة، تجربة الاغتراب عند نازك الملائكة، عبد الله أحمد المهنا، ص 465.
(2) ينظر: منازل السامرين، 3/ 128.
(3) ديوانها، شظايا ورماد، 2/ 120 - 121.
(4) ديوانها، شظايا ورماد، 2/ 50.
(5) نفسه، 2/ 112.