فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 170

العصور، وتنشرها، وتخلق الماضي (( من فتنة الأمل ) ) [1] في محاولة للارتفاع على ألم الحقيقة، وبلوغ راحة الحلم.

لقد شحذ اغترابها الروحي وعيها اليقظ إلى الحد الذي آذاها واستعبدها، وإذا كان (( من المطالب الرئيسية للوعي أن ينشد الوحدة ) )على حد تعبير روبير دوبليه [2] ، فإنّ المفترض أن توجد مع الوحدة (( الشفافية والسعادة ) ) [3] ولكن نازك التي فاضت غربتها عن مستواها الأقصى تخرج عن إطار التمرد الإيجابي إلى ما هو أبعد من ذلك. فها هي ذكرياتها وأحزانها القديمة والتي تشكَّلَ منها ثقلُ اغترابها، تطاردها من مكان إلى آخر: فهي مرة عنفوان يملأ الدروب والمروج ويقتفي خطواتها [4] ، وهو مرة، سمكة تتعملق لتصبح حيوانًا خرافيًا، تقول:

ومشينا لكنّ الحركةْ

ظلت تتبعنا، والسمكةْ

تكبر تكبر حتى عادتْ في حضن الموجة كالعملاقْ [5]

وهي مرة سعلاة [6] ، ولا شك في أن تصوراتها المخيفة هذه وليدة غربتها الروحية التي عزلتها جسدًا وروحًا عما حولها وعمن حولها، ولكنها -التصورات- إحدى علامات يقظة فكرها الحيوي الطامح إلى أن يتساوى مع الاغتراب فيحفظ توازنها ويحول بينها وبين الانهيار التام.

أما بلند الحيدري فقد كانت غربته الاجتماعية خطوة أولى إلى غربته الروحية، ويبدو أن انسلاخه من الإطار الثقافي الكردي واتصاله بالإطار الثقافي العربي بعد انتقال عائلته إلى بغداد أحد أسباب اغترابه الروحي، وهو يقول عن هذا السبب أنه كان (( ثاني شعور بالغربة ينمو لدي وبعمق الشعور الأول الناتج عن ضياعي في العائلة ) ). [7] وحين تمكنت منه العزلة، وانكفأ على نفسه، سعى إلى ما يعمِّقها وقد أخذته العزة بها، فقرأ للشاعر كيتس وتصور (( أنّ الحب مرتبط بالموت ) ) [8] وتأثر بأبي العلاء المعري شاعرًا وإنسانًا، وأعجب برومانسية محمود

(1) نفسه، 2/ 114.

(2) كامو والتمرد، ص 31.

(3) المكان نفسه

(4) ينظر: ديوانها شظايا ورماد، 2/ 75.

(5) ديوانها، قرارة الموجه، 2/ 248.

(6) يُنظر: نفسه، 2/ 402.

(7) مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصايغ م. الأديب المعاصر، ع 5، مج 2، 1973، ص 107.

(8) نفسه، ص 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت