لكن الأمر يختلف عند البياتي الذي اعتمد التجريب المستمر"تطلعًا إلى تجاوز دائم وتجدد في الشعر" [1] . ففي قصيدة"موعد في المعرة"يلتقط الحالة التراثية بإشارة مركزة ومضيئة:
صاح هذي أرضنا من ألف ألفٍ تتنهَّدْ
وعليها النار، والعشبُ
عليها يتجدّدْ
صاح إنّا
أبدًا من عهد عادٍ نتغنى
والأقاحي والقبورْ
تملأ الأرض ولكنّا عليها نتلاقى
في عناقٍ أو قصيدةْ [2]
لقد ابتنى الشاعر النص على بيت المعري المشهور:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب
فأين القبور من عهد عاد
ومن هذه البؤرة الشعرية خاض الشاعر في ثلاث تضادات:
الأولى هي: النار والعشب:
فالنار رمز التطهر والخصب الذي يفضي إلى العشب
والثانية هي: التنهد× الغناء رمزين للحزن والفرح
والثالثة هي: الأقاحي× القبور رمزين للحياة والموت.
وقد خرج الشاعر بدلالة بيت المعري التشاؤمية إلى دلالة جديدة فيها من التفاؤل والأمل ما يستطيع بهما الشاعر من اختراق واقعة المأساوي متطلعًا إلى انتصار إنسانيّ جديد.
أما بلند الحيدري فلا يضيف شيئًا ذا قيمة فنية إلى إشارته عن أبي نواس في قصيدة"انتفاضة كأس"فقد اكتفى بصيغة النداء التقريرية:
(1) الشعر العراقي الحديث، د. جلال الخياط، 181
(2) ديوانه اشعار في المنفى 1/ 373 - 374