بالثبات والسكون، منحه البياتي هنا سمة متجددة. وإيماءً ثريًا وهو يلتقط ملمحا تراثيًا بإشارة مركزة، ومتوهجة فوداعا الأولى قالها الخيام مطلقة، ولعلها موجهة إلى الكون كله. أما الثانية فقد قالها لطهران وهي وطن الشاعر المُسْتحضَر، فيما اتصلت الثالثة بالبيت، وهمس بالرابعة لأمه. وهكذا أسس الشاعر كلا كبيرًا ذا أربع دوائر تدرّج منها نزولًا: الكون ثم الوطن ثم البيت ثم الإنسان، وهي العوالم التي تعلق بها البياتي، وكأنه هو الذي يتحدث من خلال الخيام، أو كأن الخيام يتحدث بلسان البياتي، والوداع الشجي مختوما بالقتل"ودوّت طلقة"هو تعبير عن غربة الشاعر، وهاجس القتل الذي رافقه في منافيه.
أما تكرار الفعل فاخترنا نموذجًا له من شعر بلند الحيدري:
اطفيءْ له الأنوارْ
اطفيءْ ولا تقلقْ
واتركه للتيّارْ
يحمل للأغوار ما في الحلْم من أغوارْ
يحمل للؤلؤ والمرجان والمحارْ
كل الحكايات عن الجدبِ
عن عالم يحيا بلا قلبِ
يحمل للأغوار ما يحمل في يديه
في عينيه
من أغوارْ
يحمل للبحارْ
لتيهها المغلقْ
مرارة الضياع في البحارْ [1]
يطالعنا -في النص- الفعل المضارع"يحمل"مكررًا أربع مرات، وهو، كأي فعل، مرتبط بدلالة النمو والتجدد، وتردده يعني استمرار الحدث، ومن هنا كان إحساسنا بطاقة"التكرار المتراكم تأكيدًا على الحدث والزمن بصوت الفعل نفسه" [2] . إن ما يعانيه الشاعر من قيد مفروض على ذاته اضطره إلى أن يصرخ من خلال
(1) ديوانه، خطوات في الغربة، 70/ 72
(2) البنيات الأسلوبية في الشعر العربي الحديث، 159